أيها السادة النواب: ردوا قانون الجمعيات

تم نشره في الأحد 14 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

العمل الأهلي في الأردن عريق وله الريادة قبل الحكومات في التعليم والتكافل الاجتماعي وفي تشكيل الثقافة السياسية

وصل أخيرا قانون الجمعيات المعدل الى البرلمان بعد رحلة عمرها 43 عاما قضاها القانون في التطبيق منذ صدوره عام 1966، المشهد في هذه اللحظة يبدو في ان جل السادة النواب يحملون تصورات سلبية عن المجتمع المدني بتأثير فوضى المفاهيم وعدم وضوح المقاصد، وهي حالة ساهم فيها الإعلام وسلوك أجيال من الحكومات المتناقض في ممارساتها وخطابها حيال قضايا المجتمع المدني ومؤسساته، وقبل ذلك سلوك العديد من مؤسسات المجتمع المدني نفسها المصابة بأمراض الدنيا والآخرة معا، الأمر المتوقع ان ينقاد البرلمان الى إضافة قيود تشريعية على هذا القانون الذي من المفترض ان يأتي بالكثير من مفاتيح الإصلاح وبناء الدولة، فالخطورة ان يتم التشريع وفق محددات لحظة سياسية لها ظروفها ومضامينها وليس لحاجة تشريعية يقتضيها تقدم المجتمع والبلاد.

الزاوية الأخرى من المشهد ان مشروع القانون بقي على مدى شهور طويلة من النقاش وطرح المقترحات وممارسة الضغوط في يد نخبة صغيرة لا ترى بالعين المجردة تفاوض مرة وحدها ومرات تفاوض منظمات وهيئات دولية عنها، بينما غيبت حاجات ومطالب المجتمع الأردني وحقه بنمو مجتمع مدني وقطاع أهلي مزدهر نحن بأمس الحاجة اليه، بعيدا عن كل أشكال التوظيف السياسي ولغة رجال الأعمال التي أثرت ودشنت نفوذها المصلحي باسم العمل الأهلي والمجتمع المدني، كما هي الحال فيما يتعلق بمئات الهيئات الثقافية المشتغلة بالبحث والإبداع والصناعات الثقافية التي لم يتح لها ان تُسمع صوتها وكأن القانون مختص فقط بالعمل الخيري وشؤون المرأة والعنوسة.

العمل الأهلي في الأردن عريق وله الريادة قبل الحكومات في التعليم والتكافل الاجتماعي وفي تشكيل الثقافة السياسية وغير ذلك، ويجب ان نعترف ان جزءا من أزمة علاقة المجتمع المدني بالدولة تعود الى التشريعات، والى نمط التفاعلات والعلاقات الزبونية التي انشأتها حكومات عديدة مع مؤسسات مدنية تثار حولها الشبهات تشتمها الحكومات في النهار وتنام معها في الليل!    

بالفعل يوجد الكثير من الغموض والإرباك في علاقة مؤسسات المجتمع المدني بالدولة، لا تتحمل المسؤولية فيه المؤسسات المدنية وحدها، وهذا واضح في وجود فجوات تشريعية وفي التوظيف السياسي المتبادل الذي يجعل أحيانا من تفسير القوانين أو تفويت هذا السلوك أو غض الطرف عن سلوك آخر جزءا من التفاعلات السياسية وتوازناتها، وليس تعبيرا عن اطر مؤسسية مستقرة، الى جانب العديد من المفارقات التي تعبر عن تواضع الثقافة السياسية لدى أطراف السجال أحيانا كثيرة، لنأخذ على سبيل المثال السجال الدائم حول مدى شرعية الأنشطة المدنية ذات الصلة بموضوعات سياسية وإعلامية تنفذها مؤسسات ومراكز مدنية بتمويل خارجي، توقفنا كثيرا أمام مسألة التمويل وجعلناها بيت الأسرار وبيت كل القصائد، وهي المسألة التي لا تحتاج سوى إطار تشريعي واضح وكفى وهذا هو العالم، بينما غابت مسائل تتعلق بالجوانب العلمية والمهنية التي تؤهل هذه المؤسسة المدنية أو غيرها للقيام بالدراسات والاستطلاعات. على سبيل المثال، أي الجوانب التي تمكن هذا الطرف أو ذاك ليكون مصدرا لقول أو اكتشاف الحقيقة، وهل تمارس تلك المؤسسات بالفعل الحد الادني من المهنية وهل تملك تاريخا من الصدق وهل لديها الخبرة والتأهيل لذلك.

هذه الوقائع تدعو نحو التساؤل عن الخلفيات التي تدفع مؤسسات أهلية إلى بناء أجندات سياسية أو اجتماعية وثقافية مغايرة للواقع، وتفرضها أحيانا على مؤسسات رسمية وتعمل بها، تمارس هذه الوقائع الدور الحاسم في بناء تصورات الناس واتجاهاتهم لأنها في المحصلة المنابر الوحيدة المتاحة في بعض القضايا.

العمل الأهلي والمجتمع المدني من أهم مفاتيح الإصلاح وبناء الدولة، فقد حان الوقت الالتقاط هذه المفاتيح بذكاء ولا يجوز لأي جهة ان تحرم المجتمع من التقدم والنماء والدولة من إضافة عنصر قوة جديد عبر التشريع للمزيد من الفوضى وخنق الحرية والتقدم معا، وما هو مطروح اليوم يحتاج الى المزيد من النقاش والمزيد من التفصيل وهناك تشويه واضح للمفاهيم، فالعمل الأهلي والمجتمع المدني يحتاجان حزمة من القوانين، والحل الأكثر جدوى للمصلحة الوطنية. والمطلوب من السادة النواب: ردوا القانون للحكومة.

bassim.twessi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مراجعة قانون الجمعيات (فارس ابو ديه)

    الأحد 14 حزيران / يونيو 2009.
    قانون الجمعيات يحتاج الى مراجعة وتمهل واتفق مع الكاتب بأننا بحاجة الى قانون خاص بمؤسسات المجتمع لوحدها وقانون اخر ينظم العمل الخيري والفصل بينهما ، لأن الالتباس خلال السنوات الماضية جعل من فئات تستفيد من هذا الخلط لاهداف مادية واحيانا لاهداف سياسية .