"السيادة الوطنية" حين تؤول إلى "معول تحطيم" للإنسان

تم نشره في الجمعة 12 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

السيادة الوطنية كي تتحقق فعلاً وواقعاً، لا بد لها أن تترافق مع حرية الفرد الإنسان. فما معنى حرية الأوطان من دون حرية الإنسان؟!

تعرّف السيادة الوطنية بالحصول على الاستقلال فحسب، أي بجلاء المحتل، وتحرير البلاد من هيمنة واحتلال دولة أجنبية؛ والوطن عند هؤلاء هو الرقعة الجغرافية التي حددت حدودها برحيل العدو المحتل.

لكنّ السيادة الوطنية كي تتحقق، فعلاً وواقعاً، لا بد لها أن تترافق مع حرية الفرد الإنسان. فما معنى حرية الأوطان من دون حرية الإنسان! وماذا يجني الفرد الواحد منا، إذا استبدّ به الظلم والإفقار والفساد.. سواء تم ذلك بسيف الأعجمي، أم بسيف ذوي القربى؟

كثيرا ما تكون ممارسات الأجنبي في فترات من التاريخ أخف وطأة في الجور من (الوطني).. فما عاد ينطلي حتى على المواطن العادي الكلام الإنشائي، ولا يجذبه زيف بريق السيادة الوطنية التي يجأر بها السلطويون للتغطية على انتهاكاتهم وتسلطهم.

ماذا يختلف عند الفرد المحكوم إذا تشابه المآل والنتيجة، في الظلم والتهميش والإقصاء؟! حكوماتنا تنظر إلى السيادة الوطنية من زاوية واحدة، وهي الالتفاف حول النظام، حول السلطة، أيا كانت طبيعتها.. وأحيانا تقترن السيادة الوطنية بمفهوم أيديولوجي، من دون أن تكون الغاية منها، مقاومة الوصاية والهيمنة.

النظرة الدينية، في صيغتها المتطرفة، تشك في ولاء غير المسلم للوطن، ومعيار الوطنية في عرف الشيوعية التقليدية هو معاداة أميركا، وغالبية القوميين في دولهم القومية، يتميزون بروح الاستعلاء القومي على الأقليات القومية الأخرى، ويعدّونها مطية للخارج.

هنا، يكون الرد الوطني من قبل الحكومات، للحفاظ على "السيادة الوطنية"، هو قانون الطوارئ، ورصد كل حركة اجتماعية، وقمع المعارضة، واحتكار السلطة، ووأد الحريات، وامتهان الكرامات، وجعل الوطن كيانا مراقبا مكشوفا من عسس السلطة، عندها تكتمل السيادة الوطنية في مفهوم هؤلاء. وما أيسر بالتالي من إلصاق تهم الخيانة والعمالة.

نظام الحزب الواحد أو النظام اللاحزبي، يعني النظام الشمولي، الذي يتوسل الاستبداد، ويجرد الجماعات والأحزاب من حقوقها السياسية، وكل ذلك بذريعة "السيادة" أو "الكرامة الوطنية".

السيادة الوطنية الحقّة لا تتم إلا ضمن دولة دستورية، يحس الفرد فيها أن الدستور والقوانين، قد صيغت بمساهمته بهذه الطريقة أو تلك.. حينها فالدستور لا بد أن يحترم، والقوانين لا بد لها أن تسود على الجميع من دون استثناء، ولا بد من وجود قضاء مستقل، لا يكبل إلا بنزاهة القاضي.

لا تكتمل السيادة الوطنية من دون تمتع المواطنين بالحريات غير منقوصة، حرية الرأي والتعبير، حرية التجارة والتنقل وحرية تشكيل أحزاب وروابط مدنية وسياسية، فلا بدّ أن تتأصل الديمقراطية في مفاصل الحياة السياسية، بحيث لا تبقى الديمقراطية مجرد آلية لانتخابات شكلية، وبالتالي توظف لخدمة الفئات الحاكمة.

السيادة الوطنية في جوهرها إطلاق سراح العقل من أسر التبعية لسلطان جائر، وتستدعي وجوب وجود معارضة سلمية منافسة، فهي أصلا تضبط الحكم، من خلال تطلعها لكي تحكم مستقبلا، واستعدادها للمنافسة في الانتخابات المقبلة الدورية، وليس بطرائق غير شرعية، كالانقلابات مثلا.

السيادة الوطنية تعني التركيز على عمل المؤسسات، واستبعاد النزعة الفردية الإرادوية في كبت الحريات. والإقرار بحقوق الإنسان الفرد، وحقوق الأقليات العرقية والدينية في الدولة الوطنية الواحدة.

لكي تتحقق السيادة الوطنية في أرض الواقع، لا في الخطب والشعارات من بحث عن سبل للتنمية، فكثير من "السلطويين" يمررون سياسة تنموية غير فعالة، ويتبنون سياسة الإدارة المركزية المشددة، ويدعون البلد في حالة ركود اقتصادي، فالعنصر الأساسي في السياسة الاقتصادية لأي بلد، يكمن أساسا في حرية أبنائه في اختيارهم السياسة الاقتصادية الأنسب.

السيادة الوطنية تتحدد بمدى احترام السلطة لحقوق المواطنين، وضرورة إشعار الفرد، بأن الدولة هي الحصن لحمايته وإعالته. وهي بناء مستقبل زاه لأبناء الوطن، يرفلون في ظلّه بالحرية أولا وثانيا، وفي مناخات الحرية!

* كاتب وناقد سوري

خاص بـ"الغد" بالتعاون مع مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya.org

التعليق