بدائل المرحلة المقبلة

تم نشره في الخميس 11 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

حينما يطالب جلالة الملك بالمراجعة بعد عشر سنوات من التجربة، فهو لا يطالب بالمديح والثناء على ما تحقق في عهده، فالإنجازات تتحدث عن نفسها، والتطورات نرصدها عاما بعد آخر، ولا شك أن هناك تحسنا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ولكن هل كان يمكن للتجرية أن تكون أفضل؟ وهل وقعت أخطاء في المسيرة المتواصلة؟ الإجابة هي نعم بالتأكيد؛ ومن لا يخطئ أبدا هو فقط من لا يعمل.

خلال العقد الماضي خاض الاردن مرحلة اقتصادية جديدة، فالسياسة بقيت تراوح ذات المكان، ومحظوراتها لم تتغير، ومن هنا جاء سعي البعض الذي لا نرغب في تصنيفه بين "حداثي" أو "محافظ"  في تحديد كيف نسير الى الأمام، كان المشروع الاقتصادي وتوجهاته حاضرة، فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أرسيا دعائم التحول الاقتصادي منذ العام 1989، بعد الأزمة التي عصفت بالاقتصاد الأردني في حينه.

مشروع التحول الاقتصادي كان يقوم على مبادئ إصلاح السوق والمزيد من تحرير السياسات الاقتصادية بما يتضمنه ذلك من تخصيص وتعديلات تشريعية تجعل المناخ الاستثماري محببا من قبل المستثمرين، التخصيص كان هدفه إشراك القطاع الخاص في مشاريع كانت حكرا على الدولة ومؤسساتها، ذلك التحول لم يكن وليد الساعة، بل نضج بعد عقود من عمل مؤسسات القطاع العام وفشلها في تحقيق أهداف التنمية، وكان واضحا عشية  العام 1989 أنه لا يمكن الاستمرار بذلك النهج من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، فجاء التحول استجابة لأزمة وليس رغبة في التغيير الحقيقي من القائمين على السلطة التنفيذية.

والحل كذلك يجب أن لا نستغرب أن المشروع الاقتصادي كان الأسرع، والتغييرات السياسية التي رافقت بداية التحول الاقتصادي كانت مكملة وهدفت الى توسيع مسؤولية اتخاذ القرار بحيث يصبح تشاركيا أكثر، وليس ديمقراطيا، وهناك فرق بين المشاركة في اتخاذ القرار والمساهمة في صنع القرار، فالمجالس النيابية المتعاقبة منحت شرعية لاتخاذ القرارات الصعبة، مثل إقرار قانون التخصيص، فرض ضريبة المبيعات، خفض الجمارك وغيرها من القرارات التي لم يكن بمقدور اي حكومة أن تتخذها بمعزل عن المجتمع.

واستمر هذا الواقع التشاركي حتى الآن، لكن الذي حصل أن القرارات الاقتصادية المفصلية تقريبا أنجزت، وبات لها استحقاقات سياسية تترتب عليها، ففرض الضريبة يعني ضرورة أن يكون هناك تمثيل لدافعي الضرائب، وتخصيص المؤسسات العامة يعني تراجع دور الدولة في التوظيف والتأثير في المجتمع، والانفتاح التجاري يعني أن الأردن أصبح أكثر عرضة للهزات الخارجية والتضخم المستورد في نفس الوقت الذي تم فيه خفض الدعم عن بعض السلع التي تستهلكها شرائح الدخل المتدني.

الحصيلة هي المزيد من الضغط على فئات الدخل المتوسط، فالتضخم خلال العامين الماضيين بلغ 19 في المائة، في حين ان رواتب القطاعين العام والخاص لم ترتفع بما يعادل النصف، وهو ما يعني تراجعا في القيمة الشرائية وتدني القدرة في الحفاظ على مستوى الدخل، اي مزيدا من الضغط الاقتصادي والاجتماعي على فئة يفترض أن تقود عملية التحول السياسي.

انسحاب الدولة واستمرار بعض الاحتكارات في العديد من الأسواق، وغياب هيئات تحقق التوازن بين المستهلك والمنتج، حد من أثر النمو على الشرائح المختلفة في الأردن، ولا يوجد ما يشير الى أن الوضع سيتغير إلا إذا حدث انفراج يطلق قوى المجتمع على مستوى القاعدة من اتحادات عمال وجمعيات للمستهلكين لتحقيق التوازن المفقود. فالبنية التشريعية موجودة وقوانين منع المنافسة مقرة، والغائب هو القدرة على تفعيل هذه القوانين التي أقرت لحماية "المستهلك".

البديل المتاح أمامنا ما يزال  يقوم على حرية السوق، وتقليص دور الدولة في الإطار التشريعي والرقابي الفاعل، ولكنه يحتاج الى تحفيز المجتمع وإطلاق العنان لقواه كي تتمكن من الدفاع عن نفسها، وهي مهمة لا تستطيع الدولة أخذها على عاتقها وحدها، ولكنها تستطيع المساعدة في تسهيل مهمة من يرغبون الدفاع عن مصالحهم مهما كانت متواضعة، فأصحاب المصالح ليس بالضرورة ان يكونوا فقط من الكبار، والتحدي هو كيف يمكن البدء وتكييف مشاريع الدولة للاستجابة لذلك.

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق