مهمة دايتون و"عقيدة الأمن الفلسطيني"

تم نشره في الخميس 11 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

مشكلة مهمة دايتون في أنّها تأتي بصورة متسارعة في سياق استحقاقات العملية السلمية، لكن مع توقف المسار السياسي وتعطله

هالة من الغموض، وأحياناً المبالغة، أحاطت بمهمة الجنرال الأميركي دايتون مع الأمن الفلسطيني. لكن مؤخراً، تولّى الجنرال دايتون نفسه الإفصاح عن طبيعة هذه المهمة وأبعادها والسياق السياسي والأمني الذي يعمل خلاله، وذلك بمحاضرة له في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى".

الرجل يحدد دوره بوضوح في بناء "قدرات الأمن الفلسطيني"، والذي بدأ عملياً وبصورة متسارعة، منذ حوالي سنتين، بُعَيد سيطرة حماس على غزة (بالرغم من أنه عُيِّن منذ العام 2005، لكنه يقول أنه لم يحصل على التمويل الكافي إلا في عام 2007).

يرأس دايتون فريقاً أميركياً (يضم جنسيات أخرى) لتدريب الأمن الفلسطيني وتأهيله للقيام بمهمات حفظ الأمن في الضفة الغربية، وذلك بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي.

حتى الآن، تمّ تخريج دورتين من الأمن الفلسطيني، في مراكز في الأردن، كل دورة فيها قرابة خمسمائة فرد، وهنالك دورة من المتوقع أن يتم تخريجها الأسبوع المقبل، على أن يصل العدد المتوقع إلى خمسة عشر ألف فرد. ويجري حالياً تأهيل مراكز للتدريب في أريحا للقيام بهذه المهمة، ويحصل دايتون على مخصصات من الكونغرس، وصلت سابقاً لحدود 175 مليون دولار، وهذه السنة تبلغ 100 مليون دولار، ومن المتوقع أن تساهم دول عربية خليجية في عملية تمويل هذه القوات.

إلى هنا، لا إشكالية في بناء قدرات الأمن الفلسطيني وتطويره وتأهيله لحماية الاستقرار السياسي في الضفة الغربية، وتحكيم القانون ومواجهة العصابات المسلّحة، إنّما مشكلة هذه المهمة هي في أنّها تأتي بصورة متسارعة في سياق استحقاقات العملية السلمية، لكن مع توقف المسار السياسي وتعطله، فتبدو المهمة الرئيسة لـ"الأمن المتدرب" ليست في "بناء الدولة الفلسطينية" (لأنها غير موجودة على الأرض)، كما يذكر دايتون، إنّما في مواجهة خلايا حركة حماس والمقاومة، ومنع أي عمليات ضد إسرائيل انطلاقاً من الضفة الغربية.

حسناً، يحتج البعض أنّ حماس تقوم بالأمر نفسه في قطاع غزة، عندما تضبط الحدود مع إسرائيل وتعطي ضمانات بعدم استهدافها، إلاّ ضمن أجندة الحركة. ذلك، في الحقيقة، تشابه سطحي بين النموذجين، ولعلّ "العقيدة العسكرية" التي يتدرب عليها أفراد الشرطة الفلسطينية تعطي مؤشراً واضحاً وكبيراً على الفارق.

إذ تشير مصادر أميركية أنّ "الأمني الفلسطيني" يتدرب على الابتعاد عن السياسة ومتغيراتها، والتركيز على تنفيذ الأوامر الأمنية فقط، وهذه العقيدة تصلح في دول مستقرة راسخة وحكومات كاملة السيادة، لا مع الحالة الفلسطينية اليوم التي يفترض أنّها ما تزال في مراحلها الكفاحية للوصول إلى حقوق الشعب الفلسطيني.

دايتون نفسه يفتخر بكلمة ألقاها أحد الضباط الفلسطينيين، في حفل تخريج إحدى الدورات، تكشف اللثام عن مخرجات العقيدة التي يتلقّاها هؤلاء الأفراد. إذ يخاطب ذلك الضابط الخرّيجين (بالنص) ".. لم تأتوا إلى هنا لتتعلموا كيف تقاتلون إسرائيل، بل جئتم إلى هنا لتتعلموا كيف تحفظون النظام وتصونون القانون، وتحترمون حقوق جميع مواطنيكم..".

إذن، مع التأكيد على أهمية مواجهة العصابات المسلّحة وحماية القانون، فإنّ سلخ الفلسطيني من قضيته السياسية الرئيسة وهي مواجهة الاحتلال يثير أسئلة أخلاقية ووطنية كبرى. وفي الحقيقة الأمور لم تقف عند هذا الحد، فإنّ "أحداث قلقيلية" الأخيرة تشي بأنّ الواجب الرئيس لهذه القوات يتركز في ملاحقة حركة حماس نيابة عن الجندي الإسرائيلي، أي هو "احتلال ديلوكس"، كما يريده قادة إسرائيل.

الاحتلال الإسرائيلي كان مشككاً في عمل دايتون ومهمته في البداية، لكنه لاحقاً بدأ يشعر بالثقة بالمهمة التي يقوم بها، من خلال ما يؤديه أفراد الأمن الفلسطيني، وأخذ يمنحهم مزيداً من الصلاحيات والسلطات، ويعهد إليهم بمهمات اليوم، حتى في أكبر المدن في الضفة الغربية، الخليل، كما يفتخر دايتون نفسه.

ما الضمانة الإسرائيلية كي لا تنقلب هذه القوات بأسلحتها على إسرائيل، أو حتى تقوم بواجب المقاومة في مواجهة اجتياح إسرائيلي عسكري، دفاعاً عن أرضها وأهلها؟ الجواب يقدمه أحد المسؤولين الأميركيين بأنّ "أسلحة هذه القوات وذخيرتها غير مؤهلة لمواجهة الجيش الإسرائيلي، أكثر من يوم واحد"، هذا فضلاً أنّ عقيدتها تقوم على أنّ الخطر من الداخل، ليس من إسرائيل!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احترم تحليلك (م. سلام الجعبري - الخليل)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    كمحايد ومطلع جدا على الاوضاع بالضفة الغربية , اعتقد ان تحليل الاستاذ ابو رمان اصاب كبد الحقيقة , بل انه استعمل الوصف المهذب لوصف الحالة الأمنية بالضفة الغربية , لست حمساويا ولا اتفق معهم على طول الخط , لكن ما يحدث بالضفة يشبه الى درجة التطابق ما حدث بجنوب لبنان وقوات لحد .

    حماس لن تمارس اي عمل ضد السلطة بالضفة الغربية وظل سلاحها موجها لإسرائيل , حتى في ظل جريمة غزة بقي الشارع الضفاوي منضبطا , فلم السجون ممتلئة باعضاء حماس , ولم الشهداء نتيجة التعديب او الاغتيال .

    مرة اخرى اكرر شكري للاستاذ الكاتب المبدع .
  • »رد على (ممدوح الاعرج) ... عجبي من دفاعك عن فتح!! (محمود سليم)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    اعجب فعلا من دفاعك عن ما اسميته بـ (الكفاح الوطني الفلسطيني لحركة فتح!!!)..باختصار سيد (ممدوح الاعرج) انكم تدورون في دائرة اعلام اثر على مفاهيمكم فاصبحت ايران لكم عدوا اكثر من (اسرائيل) بالتالي فالشعب الرازح تحت الاحتلال منذ 70 سنة و الذي قدم عشرات الالاف من الشهداء و الجرحى و الاسرى ينتظر ايران و ينتظر (القوة الفارسية!!) حتى تحركه-على حد زعمك- لكي يقاتل و يقاوم!!! واذكر هنا بان حزب الله يتهم بنفس التهمة و ذلك بالتاكيد لاعتبارات مذهبية و اعتبارات تنفع اسرائيل بالدرجة الاولى...
    ان الذي انحرف عن مسار الكفاح الوطني يا سيدي هو الذي وقع في اوسلو على صك التنازل عن 78% من ارض فلسطين التاريخية.. ان الذي انحرف عن المسار هو الذي قام بتعديل ميثاقه الوطني و ازال المبادئ التي انطلق من اجلها من اجل عيون كلينتون وعائلته!! .. ان الذي انحرف عن مسار الكفاح هو الذي يقابل سفاحي شعبه بالاحضان و القبل بينما شعبه يقتل و يحاصر و يجوع في الضفة قبل غزة!!! .. ان الذي انحرف عن مسار الكفاح هو الذي قام بجمع سلاح المقاومة في الضفة الغربية وتركها فريسة للصهاينة يصولون و يجولون ..وعندما تقتحم دوريات اليهود اي مدينة في الضفة..فانه تأتي الاوامر لاجهزة الامن التابعة للحركة -التي لم تنحرف عن مسار النضال !!!- لكي تخلي مقراتها وتتفرج على قيام العدو باعتقال المطاردين !!!! بل ان ما حدث في اريحا من مهزلة (تسليم) المناضل (احمد سعادات) للجيش الصهيوني بعد ان اخلى (المناضلون!!) سجن اريحا و قاموا و تجردوا من ملابسهم امام كاميرات التلفزة العالمية.. وتجردوا من اشياء اخرى لا داعي لذكرها هنا !!ما حدث هنالك في اريحا يعتبر بطولة و نضال من وجهة نظرك ؟؟!! ثم اذكرك بالنضال الذي ازكم الانوف من فضيحة الاسمنت الذي مولها لبناء الجدار العازل احد قادة فتح .. الى فضيحة تهريب موبايلات في شنطة السيارة من قائد اخر..الى فضيائح اخرى لا تعد و لا تحصى .. كفى سيد (اعرج) فالشمس لا تغطى بغربال...
  • »تحية (م. أحمد)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    مقال متميز .. أحييك عليه استاذ محمد.
    للأسف بات حالنا الان "من دهنه قليله"
    العرب يدفعون لامريكا لتدريب فلسطينيين لحماية اسرائيل من فلسطينيين آخرين.
    والله حال بيبكي.
    الأخ الاعرج، لا علاقة لفتح بالموضوع، فتح للأسف الشديد انتهت و ماتت سريريا و لم يبق الا الاعلان عن الوفاة رسمياً. فتح قتلها ابناؤها في السلطة الذين انقلبوا عليها و نهبوها ثم دمروها.
  • »ليس دفاعا عن فتح و لكن الحق يقال.. (ممدوح الاعرج)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    اعجب حقا عندما يدافع البعض عن حركة حماس التي انحرفت عن مسار المقاومة(الاسلامية) لتصبح احد محركان القوة الفارسية الايرانية واصبحت قنبلة موجهة للسلطة الفلسطينية،والذي يتتبع التاريخ الفلسطيني يجد ان حركة حماس منذ تأسيسهاحتى يومنا هذا وهي تهدف لضرب الكفاح الوطني الفلسطيني لحركة فتح..
  • »رد على (جمال ابو سنينة) ... افتراء على كاتب المقال بامتياز (ابن البلد)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    استغرب من ردك العجيب الغريب الفريد !! ... اولا سيدي الكريم ان مقالات السيد محمد ابو رمان في غالبها-99.9% منها- تحمل نقدا لاذعا و عنيفا للاخوان المسلمين و كذلك في كتاباته كثيرا ما يهاجم حماس ..
    اختلف معه كثيرا و اظنه متخصص وبامتياز في الهجوم على حماس .. الا اني احترمه.. ولا تناقض في ذلك.. اما ان تجعل من كل من يحلل اوضاع الضفة بموضوعية انه(من الاخوان) او من يقول الحقيقة انه (من حماس) فانك تحاول خلط الاوراق و الاستخفاف بالعقول... سيدي (ابو سنينة) لقد قال ابو رمان الحق و حاول بكل الطرق التخفيف من وطأته و تجميل صورته بالطف و ارق العبارات ومع ذلك فلم يسلم منك .. فكيف لو سمى الاشياء بمسمياتها فماذا كنت ستقول؟؟!!
  • »استغراب ولا استغراب (د محمد حسن الذنيبلت)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    أنا لا أستغرب مما صدر من دايتون ومحاضرته منشورة في أكثر من مكان وهذه رؤية إدارته ولا أستغرب من اللحديين الجدد و أبواقهم في كل محفل فقد ارتبط مصيرهم ووجودهم وحضورهم بالصهيوني قديما ولم يعودوا يخجلون من ذلك وتصريحاتهم للقنوات الصهيونية دليل واضح ولا أستغرب من بعض الدول الممولة لأنها لم تستنشق للاستقلال يوما عبير وإنما أسجل كل استغرابي واعتراضي ومناشدتي للساسة في بلدنا الغالي عن هذا الدور الذي لا يخدم بلدي أولا ولا يخدم القضية الفلسطينية و أقول ببساطة إذا صفيت المقاومة في فلسطين و تركت للصهاينة ودايتون واللحديين الجدد وفلول الدحلانيين في ظرف يخيط فيه جميعهم مؤامرة الوطن البديل ماذا سنقول للناس وللتاريخ
  • »مقال واقعي (محمد)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    السيد/ جمال أبوسنينة المحترم
    ليس دفاعا عن حماس أخول ان مقال الكاتب مقال واقعي يعيه سكان الضفة الغربيةوحدهم. مع الإعتراف بوجود العديد من الأخطاء والتجاوزات من قبل حركة حماس في غزة إلا أن اتهامها بقتل 600 رجل أمن فلسطيني في غزة وهو عدد يفوق عدد رجال الأمن الذين استشهدو في أول أيام المجزرة الصهيونية الأخيرة في غزة ودون تغطية إعلامية امر لا يقبله عقل وهو لا يصدر إلا من أفواه بعد قادة عصابات السلطة كدحلان وعبدربه وغيرهم.
  • »القول ما قاله ديتون (فراس)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    أرجو من الأخ ابو سنينية والجميع ان يقرأوا ما قاله دايتون في كلمته نهاية شهر إيار الماضي امام معهد واشنطن.
    الرابط موجود بالأسفل، الكلام لا يحتاج غلى كبير ذكاء لفهمه
    http://www.washingtoninstitute.org/templateC07.php?CID=456
  • »تحليل سليم و وصف ناعم !! (ابن البلد)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    اتفق معك بشدة سيدي ابو رمان نعم لم توجد هذه الاجهزة الامنية ولم تدعم بالمال وة السلاح و الـ(خبراء) الا لتحارب الشعب الفلسطيني و تحمي امن العدو
    و ان كنت تتحرج من وصف الامور وصفها الصحيح و تسمية الاشياء بمسمياتها فاني لست صحفيا ولست محكوما بمحددات قد تفرض عليكم
    معشر الصحفيين (المساكين...عذرا يعني) اقول ..ان الوصف الذي تفضلت بع لهذه الاجهزة الامنية و المسمى (اللطيف و الناعم) الذي وصفت به هذه الاجهزة الامنية
    (احتلال سوبر ديلوكس..!!) لا يصف الواقع ابدا..فهذه اجهزة (عميلة) اقولها بملئ الفم .. فقد وصفت الامور بدقة شديدة ولكنك لم تسمها تسمية صحيحة ..
    ثم ان هناك فرقا شاسعا بين دور الاجهزة الامنية في غزة عن دورها في الضفة و ليس (تشابه سطحي فقط !! )
    أسالك سيد (ابو رمان) وببراءة شديدة : لماذا تغدق امريكا كل هذه الملايين على سلطة رام الله و اجهزتها الامنية
    وتزودها بالسلاح و بالتدريب؟؟!! بينما تداعت امريكا و اساطيلها و اساطيل فرنسا و غيرها لمحاصرة غزة من البحر
    المتوسط و محاصرة سيناء و ارسلوا خبراء لمصر لتشديد الحصار على غزة لمنع ادخال رصاصة واحدة للـ(ارهابيين في غزة!!) و قد صمتوا صمت القبور
    عندما كانت اسرائيل تدك غزة بحرا و برا و جوا بالقنابل و الصواريخ ؟؟!! لماذا تسمح اسرائيل لقوات السلطة و قادتها بالمرور عبر حواجز الجيش الاسرائيلي
    نحو قلقيلية في يوم تنفيذ الجريمة البشعة للقضاء على خلية المقاومين؟؟!! عدا عن ان قادة سلطة الضفة يخرجون و يدخلون يوميا من الضفة و بفضل بطاقات
    العمالة (او بطاقات في اي بي - بوصف ادق- !!!!) الا يثير ذلك تساءلا لديك - على الاقل-؟؟!!
  • »اغتيال معنوي يمهد لاغتيال جسدي او بالاحرى تحريض مبطن على القتل (جمال ابو سنينة)

    الخميس 11 حزيران / يونيو 2009.
    مقال اخواني بامتياز كما عودنا الكاتب لا يخرج عن سياق التحريض على رجل الأمن الفلسطيني ورميه بأنه مجرد جندي في خدمة الاحتلال واغتياله معنويا تمهيدا لاغتياله جسديا كما فعلت حماس يوم قتلت أكثر من 600 رجل أمن فلسطيني في يوم الانقلاب تحت نفس الذرائع

    لا استغرب أبدا توقيت هذا المقال في الوقت الذي تصدر فيه حماس بيانات إهدار لأسماء العديد من الجنود وضباط الأمن الفلسطيني

    ملاحظة أخيرة أرجو أن تنشر هذه المداخلة كما هي لأن مضمون المقال في منتهى الخطورة ولا يجوز التهاون معه وجعله يمر مرور الكرام