اقتصاديات التعليم

تم نشره في الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

نشرت إحدى الصحف الأردنية يوم (30/5) خبرا مفاده أن وزيرة التربية والتعليم العالي الكويتية أصدرت قرارا يقضي بإيقاف التحاق الطلبة الكويتيين في أربع جامعات أردنية خاصة وفي تخصصات بعينها حددها القرار في بادرة تعبر عن عدم رضا الطرف الكويتي المعني عن مستوى التعليم بالتخصصات التي حددها.

وبغض النظر عن أعداد الطلبة الكويتيين في الأردن، فإن الخبر يحمل دلالات تعيدنا إلى طرح موضوع التعليم العالي، واقعه ومستواه واقتصادياته. فالتعليم مثله مثل أية سلعة أخرى يعتمد على الطلب عليه وأحوال عرضه، بما يحملانه من مكونات من كلفة ومستوى ومكانة المؤسسة الجامعية التي تقدمه وترتيبها بين بقية المؤسسات المماثلة والوضع التنافسي، إلى آخر العوامل.

والتعليم كسلعة، يحتاج إلى استمرار التجديد والتحسين ليبقى مواكبا لحاجات من يطلبوه، خصوصا مع ارتباطه بحاجات السوق وتطوراتها، فالطلب على الاقتصاد والتنمية والهندسة والإدارة كان سمة فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، ما لبث أن تطور مع تطور حاجات السوق وتغيراتها ليدخل ميادين المال والأعمال والتمويل وعلم الحاسوب وليزداد عمقها وتخصصاتها.

وقد بنى الأردن سمعة تعليمية مكنته من اجتذاب طلاب العديد من بلدان العالم العربي وبعض الدول الإسلامية، ما نتج عنه أن أصبح الأردن من أوائل الدول في الإقليم عندما انتهج استراتيجية تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاع التعليم العام والتعليم العالي، فارتفع عدد الجامعات حتى وصل إلى أكثر من عشرين جامعة بين عامة وخاصة، وبدأت سلسلة اقتصاديات التعليم في الانتشار، حيث دخل الاستثمار في قطاع الإسكان الجامعي، داخل الحرم الجامعي وخارجه ومراكز الخدمات الجامعية من مقاه ومطاعم ومكتبات ومراكز طباعة وتصوير وتغليف ومقاهي إنترنت ومواصلات، لدرجة واضحة لكل من يرصد مناطق الجامعات التي تزخر بالنشاط والحركة والازدحام على مدى ساعات طويلة.

لقد كان ما حققه الأردن نتيجة تخطيط وصبر وجهود مثابرة صادقة مخلصة، كان البعض يراهن أنها لن تثمر أمام منافسة عواصم عربية لها باع طويل في هذا المجال مثل القاهرة ودمشق وبيروت، خاصة أن تلك العواصم تتمتع بمزايا تنافسية إضافية غير تعليمية جعلتها ملاذ الطالب العربي لسنوات طوال. لكن ذلك لم يجعل الأردن يتقاعس عن دخول الميدان والإبداع فيه عندما أسس قطاعه للتعليم الجامعي بخبرات أردنية ومصرية وسورية، ثم ما لبث أن طور طاقاته البشرية لتصبح أساس بنيته التحتية التعليمية الجامعية، واستمرار انفتاحه على الخبرات العربية عند اللزوم.

ويعاني التعليم العالي في العالم من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، التي أثرت على كبرى الجامعات العالمية وأعرقها مثل "هارفرد" و"ييل" في أميركا، و"أكسفورد" و"كامبردج" في بريطانيا وجميعها تطلب دعم حكوماتها حتى تتمكن من المحافظة على مواقعها التصنيفية ونوعية ما تقدمه من تعليم، ما يحتاج إما لدعم الحكومة أو رفع الأقساط، وكلاهما يلقيان معارضة.

قرار وزيرة التعليم العالي الكويتية يقرع الجرس أمام صانع القرار الحكومي لما يحمله من معان ودلالات، وينبه إلى ضرورة التحرك سريعا بخطط إصلاحية لا تحتمل التسويف، لنتمكن من المحافظة على حيوية القطاع والعودة به ليكون رافعة اقتصادية وتنموية بعد أن أنفقنا عليه موارد عزيزة غالية في بلد تعز فيه الموارد.

التعليق