أولوية العشرية الجديدة: "ترتيب البيت الداخلي"

تم نشره في الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

يمتلك الملك روحاً قتالية في العمل والجد والمثابرة وعشق الأردن وتحديث الدولة والارتقاء بها  

في خطاب جلالة الملك يوم أمس إشارة صريحة وواضحة إلى قيام "مطبخ القرار" بمراجعة دقيقة ونقدية لما تمّ إنجازه خلال العشرية السابقة، والإعداد جيّداً للتحديات والتهديدات، الداخلية والخارجية، على أعتاب العشرية الجديدة.

في "الإدراك الرسمي" أنّ البلاد حققت إنجازات عملاقة، خلال السنوات الماضية، في مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني، في سياق عالمي وإقليمي عاصف، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أطاح بدول وأنظمة حديدية وهزّ العديد من المجتمعات الراسخة.

أثبت الأردن قدراته على التعامل مع التهديدات الداخلية والخارجية، بصورة محترفة ومتفوقة، تحديداً بعد احتلال العراق 2003. في حين يبدو اليوم مصدر التهديد الخارجي الرئيس متمثلاً بحكومة يمينية إسرائيلية متطرفة، تسعى إلى ترحيل أزمتها الداخلية إلى الأردن.

خلال السنوات الأخيرة، خرج الأردن من العديد من الأزمات الاقتصادية، بالرغم من شُحِّ الموارد، وأنجز قطيعة  مع مرحلة "الدولة الرعوية"، ومنح اقتصاد السوق قدراً أكبر من الحرية وتنامى حجم القطاع الخاص ودوره، ما انعكس على شريحة من المواطنين، بخاصة من ذوي المهن المتوسطة والقطاعات الخدماتية والاستثمارية.

ومع أنّ عجز الموازنة ما يزال موضوع اهتمام صانع القرار، ومع بقاء الصعوبات الاقتصادية، فإنّ الطريق الاقتصادية الجديدة، وبفضل الاستقرار السياسي، فتحت آفاقاً جديدة وفرصاً ممكنة في المستقبل.

في الوقت نفسه عانى البرنامج الاقتصادي من اختلالات هيكلية، وأدى إلى أضرار جسيمة أصابت الطبقة الوسطى في القطاع العام، فضلاً عن عدم قدرة شريحة واسعة من المواطنين على التكيف مع التغيرات الاقتصادية، ما أنتج أزمة اجتماعية تتنامى مع مرور الوقت، وقد أصبحت مصدر تهديد أمني داخلي، ولها دلالات سياسية مقلقة.

المراجعات العليا تأخذ هذه الاختلالات بعين الاعتبار، بتدشين استراتيجية مدروسة عميقة لإعادة بناء الطبقة الوسطى داخل القطاع العام، ومنحها سبل القوة والاستمرار، بنفخ الروح في برنامج إصلاح القطاع العام والتعجيل به، وكذلك بمنح المجتمع المدني والعمل الخيري والاجتماعي مساحة أوسع، وتنظيم تلك الأدوار وتنسيقها مع مؤسسات الدولة المعنية للتعامل مع مشكلات الفقر والحرمان، خلال مراحل الإصلاح الاقتصادي.

في المقابل، فإنّ إعطاء الأولوية لمواجهة البيئة الإقليمية الأمنية وتداعياتها الداخلية وكذلك معالجة المشكلات الاقتصادية أدّت إلى قصور كبير في برنامج الإصلاح السياسي، تزامن مع تغيرات بنيوية في الروافع التي كانت تحمل المعادلات الداخلية، ما خلق أزمات كبيرة في قيم الانتماء والهوية وأوجد فراغاً سياسياً بين الدولة والمجتمع.

اليوم، وفي سياق الإعداد للعشرية الجديدة، ثمة ضرورة ماسة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومواجهة الشروخ بين الدولة والمجتمع، من خلال صيغة توافقية عامة، على محددات الإصلاح السياسي ومراحله وشروطه، بين القوى السياسية الرئيسة، وأي تأخير في هذه الخطوة ستكون "كلفته" السياسية والأمنية كبيرة في المستقبل.

في الإدراك الرسمي أنّ "الطبقة السياسية" الحالية مستهلكة وعاجزة عن الاستجابة لتحدي الإصلاح السياسي ولا ترقى إلى طموح الملك ورؤيته لأردن المستقبل، ولا الموازنة بين استحقاقات التحديث وتوسيع مساحة المشاركة السياسية من جهة والاعتبارات الأمنية والوطنية من جهة أخرى.

لكن "إنتاج" طبقة سياسية جديدة يتطلب تقريب موعد الانتخابات النيابية، لإعادة "الهيبة" لهذه المؤسسة الدستورية، وتقديم قيادات تمتلك قواعد شعبية حقيقية، وإعادة إجراء انتخابات بلدية نزيهة تأتي بشخصيات قيادية لها مصداقيتها، تشكل قناة تواصل بين الدولة والمجتمع المحلي. وذلك مع إعادة ضبط أدوار المؤسسات السياسية ضمن اختصاصاتها الدستورية وولاياتها العامة.

مشروع "ترتيب البيت الداخلي" بدأت ملامحه مؤخراً، من خلال ردّ الاعتبار لموقع رئيس الوزراء وصلاحياته وسلطاته العامة من جهة، ورجوع المؤسسات الأمنية للمربع الأمني من جهة أخرى، لكن ما تزال هنالك خطوات عديدة مطلوبة وصولاً في مرحلة قريبة إلى إعادة تأسيس الحياة السياسية على قواعد متينة، في مقدمتها حكومة برلمانية تتحمل مسؤولياتها العامة بصورة كاملة.

ذلك لا ينفي ضرورة أن تكون المؤسسة الأمنية، من وراء ستار، قوية ومتماسكة ومؤهلة لحماية الإصلاح السياسي من الخروج عن الخط الصحيح، ولئلا يتحول الإصلاح إلى اسم حركي لتفكيك المجتمع والتلاعب بالاستقرار السياسي.

يمتلك الملك روحاً قتالية في العمل والجد والمثابرة وعشق الأردن والأردنيين، ومن الواضح أنه يضع نصب عينيه تحديث الدولة والارتقاء بها، وتحسين حياة الناس اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، وهذا يتطلب "نخبة مؤهلة" كفؤة حوله قادرة على رؤية المشهد من كافة الزوايا، وملاحظة الإنجازات وتعظيمها والإمساك بمواضع الخلل والقصور وإصلاحها.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ترتيب البيت الداخلي يبدا بالعدالة والخدمات (محمد)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2009.
    لا يمكن اغفال قضية العدالة في توزيع الموارد في الدولة. هنالك مبالغ طائلة تجبى من المحافظات و لكنها لا تعود للمحافظات. لماذا لا يتم إقرار قانون جديد يتم بموجبه إبقاء ضريبة المبيعات المستوفاه داخل كل محافظة أو بلدية داخل تلك المحافظة أو البلدية. هذه طريقة عادلة لتوزيع الموارد و ستساعد على تنمية المحافظات و تشجيع الناس على البقاء في محافظتهم بدلاً من الهجرة إلى عمان. يجب جعل كميل البلد مكان مناسب للإنتاج و النجاح.
  • »وين راحوا النشامى (اخمد ___ السلط)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2009.
    حلالة الملك يحاجة الى اناس عركتهم التجارب بغض النظر عن سنهم فليس المطلوب ادخال رجال الحكم الى مباريات كرة القدم بحاجة الى رجال اكفاء مخلصين ينصحون فيحسنون النصح ويتسمون بالنزاهة والاستقامة ومعرفةالناس الناس وممن يكسبون ثقتهم.
  • »وقفة تقييم (ابو احمد بسمي)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2009.
    وهذا يتطلب نخبه مؤهله كفؤه حوله قادره على رؤية المشهدمن كافة الزوايا. آخر السطور في المقال هي زبدة الحكي ، وهذا للمعلومية مطلب الشارع الاردني والذي مع الاسف لا يصل الى مسامع الملك ، فهذه الوجوه المكرره على الساحة السياسيه ادمت قلوبنا ونحن كشعب نعرف مآسيها وانتهازيتها ، ودنائة نفوسها الرخيصة التي تتاجر بالوطن وانجازاته من اجل مصالحهم الشخصيه ، فالواجب كنس ما يمكن كنسه من هؤلاء الذي جثموا على صدورنا منذ عشرات السنوات حتى اصبحت القصه وراثيه ، فهل يعقل ان يُحال الموظف للتقاعد عند سن محدد بينما مسئولينايشيب ويبدا بالارتجاف يعني تجاوز السبعين او الثمانين وهو محافظ على كرسيه ، الهذه الدرجةغباء شعبنا بحيث ان الدوله لم تجد من يقوم بعمله ، هل الشباب الذين يحملون اعلى الشهادات ليس بمستوى تفكير هذا العجوز ام ان وراء الأكمة ما ورائها ، من هنا يجب ان يبدأ التغيير .. ملك شاب قوي صاحب طموح وهمه عاليه عليه ان يجد من يجاريه بهمته وعزمه لا من يخذله ويقدم له النصائح العقيمه بخبرته الفاسده من هؤلاء الذين اكل عليهم الدهر وشرب ، فالى التجديد واتنتقاء وجوه جديده لم تعرف دهاليز النفاق والثراء والمحسوبيات .
  • »يجب معالجةالأمور الداخلية بأسرع وقت ممكن (د. عبدالله عقروق |فلوريدا)

    الثلاثاء 9 حزيران / يونيو 2009.
    ما قام به جلالته في المجال العربي والدولي يعتبر مشرفا جدا ..اذ بقي اسم الأردن يحظى على احترام الجميع ..كماان جلالهه خدم القضيتين العربيتين العراق ةفلسطين ..وتفضل جلالته باستقطاب اعدادا كبيرة من المستثمرين في الأردن من الخارج
    أما على الصعيد المحلي فالجهات التي أئتمنها جلالته لضبط الأمور الداخلية بعضها قد أخفقت ، وخانت الأمانة الملقاة عليهم ، وعبثوا فسادا في معظم طبقات الشعب ، وخاصة اصحاب الدخل المتدني ..كما أن الحريات التي طالب جلالته أن يكون سقفها السماء قد اخلت بواجباتها ، وسمحت للمخربين والفاسدين أن يستمروا في غيهم دون القبض عليهم ، وتقديمهم للقضاء لمحاكمتهم..
    مااحوج اردنناالأن الى طبقة جديدة من الحكام ليستأنفوا السير بطريق الصح ، والأبحار بالسفينة الى شاطيء الأمان