استحضارالتاريخ أم تغييبه

تم نشره في السبت 6 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

تابعت على إحدى القنوات الفضائية جزءاً كبيراً من المسلسل السوري حمام القيشاني بأجزائه الخمسة والذي كما تفيد أحداثه يسعى لتسجيل وتوثيق الوقائع التي جرت في فترة ما قبل الاستقلال وصولاً لفترة الوحدة السورية المصرية.. إلى فترة استلام حزب البعث للحكم في سورية.. لن أتناول المسلسل بحيثياته وتشعباته من الناحية النقدية الفنية.. لكن الحديث حول من يحقّ له ادعاء امتلاك الحقيقة وبالتالي تصويرها وإعادة إنتاجها كما يريد أو كما يطلب منه. ولن أتناول بالنقد تلك المفارقات التي رسمت صور الحياة الاجتماعية والسياسية للسوريين، خاصةً تلك المتعلقة بالعلاقات العائلية والعاطفية التي اكتظت بها مشاهد المسلسل للدرجة التي تُشعر المشاهِد أن لا علاقة للمرأة السورية بكل ما قدّم في المسلسل، وما بين مشاهد التحرر والانفتاح الاجتماعي الذي قدمه حمام القيشاني، ومسلسل أيام شامية وباب الحارة الذي ظهرت فيه المرأة السورية بصورةٍ محافظة جداً، مع أنها ترصد ذات الزمن والوقائع الاجتماعية السورية.. هذا التباين يدلل بأن التاريخ كثيراً ما يتم التجنّي عليه عبر المبالغة والتهويل والتضخيم، أو عبر التضليل والتقزيم والتجاهل للوقائع.. ربما السؤال المطروح هنا: من وكيف ولماذا وأين ومتى.. من يحقّ له تناول التاريخ.. كيف يمكن تناول التاريخ.. لماذا تناول التاريخ.. أين ومتى يتم تناول التاريخ.. نعم هناك توظيف فنّي للتاريخ.. والتاريخ ليس وصفة أو وجبة واحدة جاهزة يتم تناولها كما هي.. لكن التاريخ يمكن تناوله ضمن فترات أو حقب زمنية.. كما يمكن تناول وقائع ومجريات محددة سياسية أو حضارية أو دينية أو فكرية وما شابه.. ويمكن أيضاً تناول شخصية أو شخصيات برزت في حقبة تاريخية ما.. لقد قدم مؤلف مسلسل حمام القيشاني أحداثاً سياسية واجتماعية مفترضة، كما تناول فكرا ومذاهب وأحزابا سياسية ضمن الفترة ذاتها، إضافةً لتناوله بعض الأشخاص والزعماء والقادة منهم الملك الحسين ابن طلال والرئيس جمال عبدالناصر والرئيس شكري القوتلي وأكرم الحوراني والسرّاج وحسني الزعيم وخالد بكداش وزريق وسعادة، مع التنويه بأحزاب تلك الفترة ومنها الحزب الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي والبعث الاشتراكي والإخوان المسلمون.. ليطرح مؤلف المسلسل الكثير من الأسئلة المشروعة، لكنه بالمقابل كان يتبرع ويتنطع بوضع أجوبة غير مشروعة لها.. لقد شوّه المسلسل وتجنّى على التاريخ وشخصياته من خلال التمركز المؤدلج للكاتب والمخرج بحيث كانت المؤشرات تصبّ كلّها في اتجاه تبنّي صحة وجهة نظر واحدة محددة والتي تتماشى مع طبيعة النظام السياسي والحزبي والفكري في سورية.. فهو مع بيانه للصراعات والديمقراطية والتنوّع الاجتماعي، لم يعرض سوى ما يدعم رؤية وفكر حزب محدد وبمرحلة زمنية محددة لذاك الحزب.. لقد تم لي عنق التاريخ والحقائق والوقائع والأحداث، لتتناسب مع الغاية غير الفنيّة للمسلسل.. نعم أنا أفهم وأدرك أحقيّة أي طرف بعرض وجهة نظره في الحياة والفكر والتاريخ.. لكن كيف نفهم ومن يمنح الحق لأيّ طرفٍ بأن يعيد تفسير الوقائع والتاريخ كما يبتغي ويتمنى ويدعم رؤيته.. كيف يتم الاستشهاد بشخصياتٍ بصورةٍ مجتزأة ومشوّهة، بحيث تظهر وكأنها ليست هي.. إن الصورة الدرامية لها من الخبث والمقدرة على التلاعب في الوعي والوجدان ما يؤهلها لتحوير الحقيقة وتغيير الحدث عبر جملةٍ من اللقطات التلفزيونية والتي تدمج مع اللقطات العاطفية لتظهر وكأنها شيء مسلّم به.. أكرر لست ناقداً فنياً.. لكن أزعم أن التاريخ أجلّ وأعظم من كلّ أولئك الذين يتلاعبون به.. وحقاً صدق من قال بأن التاريخ يستطيع أن يطمر ويغيّب في مجاهله العظام والعباقرة.. وأن يجعل من النكرات عمالقة وأبطالا.. وهذا يعتمد على رؤية المؤرخ والمستحضر للتاريخ.        

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التاريخ (يوسف العواد)

    السبت 6 حزيران / يونيو 2009.
    لا تستغرب فالتاريخ الذي عاصرناه وشهدنا احداثه وعشنافيها تتعدد فيه الحقائق والاكاذيب والتشويه. فما بالك بالتاريخ الذي كتب منذ عشرات اومئات السنين.وكتابة التاريخ عبر العصور استغلت عند بعض المؤرخين لتحقيق مكاسب دنيوية او سياسية.