عيسى الشعيبي

انتهاء صلاحية جواز المرور العقائدي

تم نشره في الجمعة 5 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

    في الزمن الأيديولوجي الغابر، أي في أيام الحقب الشمولية المديدة، التي بسطت عباءتها القرمزية الفضفاضة على المشتغلين بالشأن الثقافي في بلادنا العربية منذ بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، كان الحصول آنذاك على جواز المرور العقائدي شرطاً لازماً لكل كاتب أو مثقف، أو منتسب إلى أي من حقول الإبداع، كي يجتاز عتبة الجدارة الشخصية بدرجة جيد جداً، وأن ينال من ثمة شهادة الاعتراف به كعضو ذي قيمة في مجتمع النخبة، ويغدو رائداً طليعياً من رواد المعرفة الإنسانية النبيلة.

      وتحت وطأة مثل هذه التصنيفات الجائرة، وفي مناخات تلك العهود الثقافة الاستبدادية، التي طوت راياتها تدريجياً فيما بعد، بلغ الإرهاب الفكري درجة لم يبلغها من قبل، وإن كان قد تجاوزها بمراحل متقدمة، بل وبزها جميعاً، في زمن الأصوليات الراهنة. فقد كان يتم في حينه التجاوز على النقائص والترّهات والمثالب، والتغاضي أحياناً عن العيوب والرثاثة والأخطاء الشائنة، طالما أن المرء قد استكمل عدة النصاب الثقافي السائد، وحصل على صك البراءة الأيديولوجية، وبات ناطقاً مفوّهاً باسم القبيلة التقدمية، أو وجيهاً في العشيرة القومية.

      ولم يُمارس الإرهاب الفكري بأعتى صوره وأشد أشكاله البغيضة، بالدرجة التي مورس فيها إبان تلك الحقبة التي غربت شمسها بالفعل، وأَفلت نجومها في معظم المدارات الثقافية، القريبة منها والبعيدة، حين كانت الصحافة ومجتمع الكتابة والسياسة، وحيناً المقاهي وأحياناً أخرى النقابات، تستلزم بالضرورة العملية امتلاك أعضائها جوازات مرور تقدمية الختم نافذة المفعول، أو استصدار بطاقة عضوية قومية صالحة للاستخدام. وويل لشاعر لم تكن لديه قصيدة منتفخة الأوداج، أو لكاتب يفتقر إلى رؤية نقدية ساخطة ضد الجميع، أو قدرة إنشائية هيولية على الذم والقدح، وفوق ذلك كله درجة عالية من عوارض الفصامية ومظاهر الفظاظة والارتجال.

      أما أولئك الذين لديهم نبرة مستقلة، ويمتلكون نظافة داخلية، ويميلون بطبعهم إلى التجرد من الأفكار المسبقة، ويؤثرون الواقعية والموضوعية، وعندهم رهافة حس وشفافية في الطرح والمعالجة، أولئك الذين يتمسكون بمعايير الاستقامة الشخصية، والجماليات الكلاسيكية، والأداء المهني المميز، والترفع عن اللغو والنزاهة والقيمية، الذين لا يدعون ولا يزعمون ولا يجاملون، أولئك كلهم كان مثواهم ناراً وقودها الاستغابة والتشويه والنبذ والتجاهل، ناهيك عن التهميش والتخويف والابتزاز والإقصاء، حتى لا نقول اغتيال الشخصية.

      وإذا كانت الحيوات الثقافية والسياسية والنقابية قد ذهبت، فيما مضى من تلك الحقبة الكسيفة، ضحية لمثل هذه التصنيفات الخادعة، فإن الحياة اليومية وميادين العمل العام، وحقول الوظائف الإبداعية والمنتديات الاجتماعية، لم تسلم بدورها من هيلمان مثل هذه الذهنية الاستئصالية وطغيان أحكامها الاستبدادية، حيث جرى في كثير من الأحيان التضحية بالمبادئ الجوهرية لحساب المعايير الشخصانية، وتغييب المنتج الحقيقي لصالح المصطنع، وتقديم الغث على السمين، وقلب الطواقي والوقائع والمسميات، استجابة لمصالح صغيرة هنا وحسابات أصغر هناك، حتى لا نقول تمريراً لمنافع عصبوية ضيقة، وحسابات جزئية وعابرة.

      واليوم، ورغم ما يلبد سماء حياتنا الثقافية في هذه الآونة، من غيوم سوداء ثقيلة، أعادت الثقافات الأصولية إنتاجها في ظروف ملتبسة، فإنه يمكن القول بدرجة من الاطمئنان، أن عهد الإرهاب الفكري البغيض قد أخلى مكانه صاغراً لعصر الانفتاح والتعددية والحرية العقلية، لزمن الاعتدال والوسطية والواقعية، لربيع الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وأنه قد آن الأوان لإعادة الاعتبار الكامل، لعناصر النظافة الشخصية والاستقامة الذاتية، لمبادئ السماحة والفطرة الإنسانية السليمة، لعوامل الاحتراف والإتقان والتخصصية، للقيم المستقرة في الضمير العام، لمسطرة المعايير الموضوعية، للجماليات الاجتماعية (الحق والخير والجمال) التي لم تزل تستوطن الوجدان الجمعي، وتستولي على مخيال الجماعة من دون منازع. 

التعليق