برلمان أوروبا المتناقض

تم نشره في الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

تُـرى ماذا يفعل أعضاء البرلمان الأوروبي في واقع الأمر؟ إن القسم الأعظم من المواطنين الأوروبيين الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات الأوروبية التي ستنعقد في الفترة من الرابع إلى السابع من حزيران (يونيو)، والذين يبلغ عددهم 375 مليون ناخب، إما لديهم فكرة مبهمة عما يقوم به أعضاء البرلمان الأوروبي أو ليس لديهم أدنى فكرة عن ذلك، وهو ما يفسر التوقعات التي ترجح انخفاض مستويات إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع إلى حد مأساوي في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. منذ ثلاثين عاماً، حين عُـقِدت أول انتخابات للبرلمان الأوروبي، سارع ما يقرب من ثلثي الناخبين المسجلين إلى الإدلاء بأصواتهم، ولكن بمرور الأعوام انخفضت نسبة المشاركة على نحو مطرد، وفي هذا العام قد تتدنى إلى 30%.

إن ساسة أوروبا فخورون عموماً بالاتحاد الأوروبي والطريقة التي نما بها وتعمق. ولكن التعقيدات المصاحبة لنمو الاتحاد الأوروبي كانت في حد ذاتها سبباً في تراجع حماس الناخبين، وعلى هذا فإن عدم مبالاتهم تشكل مسألة بالغة الإزعاج والخطورة.

إن الانتخابات الأوروبية في حد ذاتها غريبة وغير مُـرضية؛ فلا توجد قضايا واضحة شاملة للاتحاد الأوروبي بالكامل ويستطيع الناس التصويت لصالحها أو ضدها. وبما أن متوسط جمهور الناخبين لكل عضو في البرلمان الأوروبي يتجاوز النصف مليون، فإن التصويت لا يشكل اختباراً للشعبية الشخصية للمرشح. وفي أغلب أنحاء أوروبا سوف تكون الانتخابات بمثابة الفرصة للتصويت الاحتجاجي على قضايا وطنية.

ومن عجيب المفارقات رغم ذلك أن قدراً عظيماً من الأمور المهمة معلق على نتيجة الانتخابات. ذلك أن عدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب الاشتراكية وأحزاب يمين الوسط من المرجح أن تؤثر على تركيبة المفوضية الأوروبية المقبلة ـ وبالتالي على الأجندة السياسية للاتحاد الأوروبي حتى عام 2014.

ولكنك لن تنتبه إلى هذا بسبب تدني مستوى الاهتمام الإعلامي. ذلك أن أغلب الصحافيين، مثلهم في ذلك كمثل الجماهير الانتخابية الوطنية، لا يفهمون إلا أقل القليل عن التحول الكبير الذي طرأ على عملية صنع القرار السياسي في أوروبا على مدى السنوات العشرين الماضية. وهم يتمسكون بفكرة عتيقة مفادها أن برلماناتهم الوطنية تتخذ القرارات الرئيسية كافة، في حين يؤكد الواقع أن أربعة أخماس السياسات التي تقرر مستقبل أوروبا تتخذ في بروكسل ثم يصدق عليها البرلمانيون على المستوى الوطني بشكل تلقائي. وإذا ما ألقينا مجرد نظرة على التقويم البرلماني لأي بلد عضو في الاتحاد الأوروبي فسوف ندرك أن عملية صنع القوانين هناك تقتصر إلى حد كبير على القضايا المحلية. أما المتخصصون من بين أعضاء البرلمان الأوروبي فإنهم يستخدمون خبراتهم وسلطاتهم المتزايدة على نحو مطرد لممارسة قدر ضخم من التأثير على تشريعات الاتحاد الأوروبي.

ولكن هذا لا يعني أن البرلمان الأوروبي برلمان "حقيقي". فهو لا يستطيع اتخاذ قرار بزيادة الضرائب، أو إعلان الحرب، أو إقالة أي حكومة (رغم أنه قادر من الناحية النظرية على فصل أعضاء المفوضية الأوروبية جملة واحدة، إلا أن هذا أشبه بما نطلق عليه "الخيار النووي"، وهو خيار من غير المحتمل أن يستخدم على الإطلاق). وربما كان الأهم من ذلك أن البرلمان الأوروبي لا يعمل استناداً إلى الأسس نفسها التي تقوم عليها سياسات اليمين واليسار كما تفعل البرلمانات الوطنية؛ فهو يتعامل مع الجوانب العملية أكثر من تعامله مع الإيديولوجيات.

ولهذا كله فإن أهمية البرلمان الأوروبي تتجاوز الخبرات الفنية التي يتمتع بها أعضاؤه فيما يتصل بالقضايا المعقدة، أو فائدته كوسيلة ديمقراطية للتستر على عملية اتخاذ القرار على مستوى الاتحاد الأوروبي والتي تهيمن عليها مساومات عنيدة بين الحكومات. لقد تمكن البرلمان الأوروبي من الاستحواذ على قدر أعظم من السلطة لأنه الآلية الوحيدة التي تمتلكها أوروبا للتشكيك في أو تحدي المقترحات السياسية المطروحة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وتسوية أو تنقيح القرارات المتخذة في بروكسل والتي قد تكون مستبدة وخرقاء في بعض الأحيان.

ولكن من المؤسف أن البرلمان الأوروبي يتسم بعدم الكفاءة إلى حد كبير فيما يتصل بالترويج لنفسه على مستوى الرأي العام. ولقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مؤخراً معهد جالوب أن 36% من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع في بلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين لم تعد لديهم أي ثقة في البرلمان الأوروبي، كما أظهر الاستطلاع أن 37% منهم لا يثقون في المفوضية الأوروبية. ومن بين هؤلاء الذين أكدوا أنهم لن يدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأوروبية هذا العام، استشهد 64% بالافتقار إلى المعلومات كسبب لعدم مشاركتهم، في حين اشتكى 62% من أن أصواتهم لن تغير أي شيء.

إن هذا الشعور بالجهل المقترن بالعجز لا نستطيع أن نعتبره بالكامل خطأ البرلمان الأوروبي. ذلك أن التركيبة المؤلفة من السياسة الرفيعة والتفاصيل الفنية المعقدة تجعل عملية صنع القرار السياسي في الاتحاد الأوروبي أقل إثارة للاهتمام من السياسات الوطنية، وبطبيعة الحال هناك أيضاً المشكلة التي تتلخص في أن العديد من اللاعبين أجانب غير معروفين. ولكن حتى حين يبذل البرلمان جهداً في التواصل مع الناخبين، فإن الثقافة البيروقراطية المضجرة الخرقاء التي يتبناها المسؤولون الدائمون تميل إلى إفساد الأمور. في العام الماضي أطلق البرلمان قناة بث تلفزيوني تثير الرثاء على شبكة الإنترنت، ولم تنفق الميزانية الضخمة لهذه القناة على البرامج الجيدة، بل على تقديم كل البرامج التي تبثها القناة بكل اللغات الرسمية للاتحاد الأوروبي.

ما العمل إذن؟ إن العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي الذين يبلغ عددهم 736 عضواً هم في الواقع أبطال مجهولون يخاطرون بالظهور على نحو متزايد وكأنهم المشكلة وليس الحل للعلل التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي. وعلى هذا فربما كان لزاماً على الاتحاد الأوروبي بدلاً من الترقيع أن يعمل بجسارة على إنشاء نظام ثنائي على غرار الطريقة الأميركية، وذلك بتحويل البرلمان إلى مجلس للنواب وانتخاب مجلس شيوخ ليحل محل مجلس الوزراء، بحيث يمثل كلاً من البلدان الأعضاء اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ. غير أن هذا ربما كان أشد ثورية من أن يتحمله الاتحاد الأوروبي الذي استغرق خمسين عاماً لكي يتوصل إلى بنية اتخاذ القرار المهجنة غير المرضية التي يعمل بها اليوم.

* الأمين العام لجمعية أصدقاء أوروبا في بروكسل، ورئيس تحرير الجريدة السياسية عالم أوروبا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق