إبراهيم غرايبة

سياسات اقتصادية: تساؤل وشكوك

تم نشره في الأربعاء 27 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

الخصخصة لم تجلب في أغلب الأحيان المكاسب التي وعدت بها، وخلقت مشكلات جديدة، وغالبا ما تكون طبقت على حساب العمال والمستهلكين.

ستبقى الأزمة المالية العالمية مصدرا للتساؤل والمراجعة وحجة لأمثالي للخوض في الاقتصاد طالما أن خبراء وعباقرة المال والاقتصاد قد جرونا إلى الكارثة فلا حق لهم ليقولوا: هاي مش شغلتكم، فهم فشلوا برغم أننا أسندنا إليهم مواردنا ومصيرنا، وطالما أن الموضوع يخصنا نحن وينعكس على مواردنا ومعيشتنا فلنجتهد نحن أيضا في حياتنا التي تخصنا!

كانت نصيحة واشنطن عبر الثمانينيات والتسعينيات هي التقشف المالي والخصخصة وتحرير السوق، ومع الزمن أصبحت هذه السياسات غاية في حد ذاتها بدلا من أن تكون وسائل لنمو أكثر.

يقول جوزيف ستيغليتز إنها سياسات صممت استجابة لمشكلات أميركا اللاتينية، عندما كانت تعاني عجزا ضخما، تعامل صندوق النقد والبنك الدوليان بوجوب مواصلة الخصخصة بأسرع ما يمكن في الدول الشيوعية سابقا، ووضعت درجات لقياس التقدم على أساس الخصخصة.

وكانت النتيجة أن الخصخصة لم تجلب في أغلب الأحيان المكاسب التي وعدت بها، وخلقت مشكلات جديدة، وغالبا ما تكون طبقت على حساب العمال والمستهلكين.

وأقر صندوق النقد الدولي أنه أسهم في الأزمات العالمية لعقد التسعينيات، وأنه قد ينزل الخراب ببلد صغير ناشئ، فكان من المفترض أن يعزز تحرير التجارة بإجبار الموارد على الانتقال من الاستخدامات الأقل إنتاجية إلى الأكثر إنتاجية، لكن تحريك الموارد لن يثري أي بلد، وبالطبع فإن عملية التحرير تزيد من عدم الاستقرار عند مباشرتها قبل الأوان، وقبل إقامة مؤسسات مالية قوية، وكان الفقراء من دون غيرهم يدفعون كلفة عدم الاستقرار.

ويفترض أن الخصخصة وتحرير السوق تخلق المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الأجنبية، ويحقق هذا الاستثمار النمو على افتراض أن المشروعات الأجنبية تجلب الخبرة التقنية وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأجنبية، وتنشئ فرص عمل جديدة، وقد نجحت مثل هذه الفكرة بالفعل في سنغافورة.

ولكن الاستثمارات الأجنبية عملت على وأد طموحات رجال الأعمال الصغار الذي كانوا يأملون بتطوير صناعات وطنية، مثل صناعة المشروبات الغازية والآيس الكريم المحلية التي انتهت أمام موجة الكوكاكولا والبيبسي التي هيمنت على الأسواق المحلية.

وكانت البنوك الأجنبية أقل استجابة بكثير لسياسات البنوك المركزية لمواجهة التضخم، وفي غالب الأحيان فقد وقعت اتفاقيات مجحفة بحق البلدان النامية، بسبب الفساد والرشوة التي تقدم للمسؤولين المتحالفين والشركاء مع الشركات والاستثمارات الأجنبية، فقد تحملت حكومات من موارد الدولة وضرائب مواطنيها نفقات الكهرباء والبنى التحتية لأجل شركات أجنبية.

عندما قررت روسيا تحرير التجارة، أغلقت أميركا السوق أمام صادراتها من الألومنيوم واليورانيوم، وكأنها بذلك تعطي دروسا واقعية عن مخاطر رأسمالية الأصدقاء، ولم يكن نجاح البلدان التي لم تلتزم بوصفات صندوق النقد الدولي مصادفة، فقد كانت هناك صلة واضحة بين السياسات التي اتبعت والنتائج، مثل النجاح في الصين وبولندا.

فقد استخدمت الدولتان استراتيجيات بديلة لتلك التي كان ينادي بها إجماع واشنطن، فكانت بولندا هي أنجح تجربة بين بلدان أوروبا الشرقية، أما الصين فقد حققت أسرع معدل نمو بين كل الاقتصاديات الكبرى في العالم خلال الـ20 عاما الماضية.

وبحثا عن الاستقرار والنمو فتحت الصين المجال واسعا للمنافسة وفرص العمل، وبإدراكها أهمية الاقتصاد الجمعي فإنها لم تخلط بين الوسائل والغايات، ولم تغال في مكافحتها للتضخم، ولم تسارع في خصخصة الشركات المملوكة للدولة، ولكن أهمية تلك الشركات تضاءلت مع إقامة شركات جديدة. لقد برهنت الصين وبولندا على أن هناك استراتيجيات بديلة، وأن المحيط السياسي والاجتماعي والتاريخي يختلف بالنسبة لكل بلد، وأن السياسات الاقتصادية يصممها أشخاص على صلة حقيقية بهموم بلادهم واحتياجاتها بعيدا عن النماذج النظرية الجاهزة.

العولمة لم تنجح بالنسبة لفقراء العالم والبيئة والاستقرار السياسي، فهل نواصل التخطيط للمستقبل بالتخلي عن العولمة؟.

ذلك ليس معقولا ولا مرغوبا فيه، فنجاح بلدان شرق آسيا اعتمد على العولمة، فالحل يكمن بالدور الرئيس للحكومات، وذلك في تأمين "العدالة الاجتماعية"، فتقدم تعليما عالي النوعية للجميع، وتقيم الحكومات الناجحة جزءا كبيرا من البنية التحتية، مثل النظام القانوني، وهو النظام المطلوب لكي تعمل الأسواق بشكل فعال، كما عليها توفير شبكة أمان للفقراء، وتشجيع التكنولوجيا، بدءا من الاتصالات عن بُعد، والزراعة والمحركات النفاثة والرادار.

لا يمكننا التراجع عن العولمة ولكن كيف نجعلها تعمل بشكل جيد؟

لا بد أن تكون هناك مؤسسات دولية عامة للمساعدة في وضع القواعد اللازمة، التي تعتمد فيها على العمل الجماعي العالمي المرغوب، مثل قضايا الصحة العالمية، وانتشار الأمراض شديدة العدوى كالإيدز، والإنفلونزا، وقد نجحت منظمة الصحة العالمية بالفعل في استئصال بعض الأمراض، مثل الجدري، وهو مثال يصلح عن جدوى العولمة وأهميتها.

والعون الإنساني الدولي صورة من العمل الجماعي الذي ينبع من تقاسم التعاطف مع الآخرين، فالمهمة الرئيسة للبنك الدولي هي استئصال الفقر، ولا يتحقق ذلك بتقديم العون الإنساني في وقت الأزمة، لكن بمنح البلدان إمكانية النمو والاعتماد على النفس، فالعولمة عززت الحاجة إلى عمل جماعي عالمي، وأهمية المنافع العامة العالمية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل بحاجة إلى إضافة (خالد السلايمة)

    الأربعاء 27 أيار / مايو 2009.
    أشكرك أخي إبراهيم على مقالك الوافي و غير المنحاز. و لكن أود أن أضيف نقطة لا أعلم إذا لم تذكرها عن قصد, ألا و هي من المسؤول عن الخصخصة و من المسؤول عن فلوس الخصخصة!؟ يعني في الأردن و الخصخصة لأبو موزة وبعد أكثر من 20 سنة و الدين العام الأردني محلك سر و الحمد لله! طيب وين راحت المصاري؟ و إدفع ضريبة يا أبو السلايمة!