الكويت: قبلة الحياة لمجلس الأمة

تم نشره في الأربعاء 27 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

فعلْنَها. نساء الكويت فعلنها، ومنحن مجلس الأمة قبلة الحياة.

قيل: إن نائبات أربع "نجحن" في الوصول إلى مجلس الأمة. ولو توخينا الحقيقة فإن مجلس الأمة "نجح" في الوصول إلى النائبات الأربع.

من دون أي إساءة إلى مقام السلطة التشريعية، ومع كل الاحترام لها: هذا هو ما حدث. لقد بدأت الانتخابات هذه المرة وسط مناخ سلبيٍّ شاكٍ (من الشكوى) شاكٍّ (من الشك) غارق في الامتعاض والسأم. اصطلاحات الأزمة والتأزيم والتعطيل والانسداد واللاجدوى والعبث كانت أكثر ما يُتداول بشأن المجلس.

"جوهرة التاج" صارت موضع ارتياب. التجربة الديمقراطية التي يقع منها مجلس الأمة موقع الروح من الجسد نزلت من عليائها لتصبح محلاً للطعن والغمز والإغراء بها. سارع كثيرون إلى نعي التجربة، غير آسفين. قالوا: ليست لنا، ولسنا لها. آخرون، لأغراضٍ في النفوس غيرِ حميدة، قالوا: انظروا ما فعلت الديمقراطية بأهلها، إنه مصيبكم ما أصابهم إذا التفت أحد منكم إليها.

كما يندفع الماء العذب ليروي الأرض التي تشققت عطشاً، جاء نجاح النائبات الأربع. حياةٌ أخرى سرت في المؤسسة النيابية العريقة. لكي ندرك المسافة الهائلة التي قطعها مجلس الأمة الكويتي، يمكن لأي منا أن يراجع تصوُّره للمجلس في الخامس عشر أو السادس عشر من أيار (مايو)، وتصوُّره له صباح الثامن عشر من أيار (مايو)، حين تأكد نجاح النائبات الأربع.

وإذا كانت الذاكرة كليلة، فليس أسهل من العودة إلى أيِّ وسيلة إعلام عربية أو عالمية قبل الانتخابات، أو حتى يوم الانتخابات، ومقارنتها بما كُتب بعد ظهور النتائج، لندرك أن تحوُّلاً أقرب إلى الانقلاب، شهدته صورة مجلس الأمة. ومن هنا، أعتقد أن حديثي عن "نجاح المجلس في الوصول إلى النائبات الأربع" لم يكن من قبيل المبالغة، أو الاستجابة لإغراءات البلاغة اللفظية.

لا أزعم أني أتابع بدقة كل ما يحدث في الشأن الكويتي، لكنني في الأشهر السابقة قرأت مقالات وأخباراً، ورأيت وسمعت محللين ومعلقين عرباً في لقاءات تلفزيونية وإذاعية، يطالبون من دون أن يرفَّ لهم جفن بتقليص صلاحيات المجلس!

لكأنَّه كُتب علينا أن نسير إلى الخلف دائماً، ولكأنه قدرُنا أن نعاند الصيرورة الطبيعية للأشياء. والضمير "نا" يعود علينا- نحن العرب- فأنا ممن يعتقدون أن أي ممارسة ديمقراطية رصيدٌ مُضافٌ لمجموع العرب، ومراكمة لخبرات إيجابية، سيأتي زمن للإفادة منها في هذا المكان أو ذاك من العالم العربي، إنْ عاجلاً أو آجلاً.

الحلال السياسي بيِّن والحرام السياسي بيِّن، وأيُّ دعوة إلى تقليص صلاحيات مؤسسة نيابية هو اقتراف للحرام السياسي، حتى لو رفعت الدعوات العجيبة قميص "المصلحة". المصلحة الحقيقية أن نتشبث بكل مكسب سياسي ديمقراطي، وأن ندعمه لا أن نرجُمه، وأن نعزِّزه لا أن نعزِّره، وأن نشدَّ على يديه لا أن نشدَّ أذنية. هذا السلوك يصلح مع طفل نقوِّمه حين يُخطئ، وليس مع مجلس نيابي يمثل إرادة الشعب.

نجاح النائبات الأربع غيَّر هذا المسار على الأقل، فقد صمتت الأصوات المشكِّكة ولو إلى حين. وكنَّا في حاجة إلى هذا الصمت ولو إلى حين. لنقلْ إنها هدنة لالتقاط الأنفاس، أتيحت للمجلس ليرتب أوراقه، ويدافع عن نفسه ضد الهجوم الشرس.

إنه إنجاز مدهش للديمقراطية، تلك القدرة على تجديد الحيوية والحراك. فحين بدا أن السبل السياسية تتجه نحو الانسداد، جاء نجاح نساء الكويت ليشير إلى أن الديمقراطية تظل أرضاً خصبة ورحماً ولوداً.. تظل قادرة على دفع الدم في العروق.

من السذاجة أن نعتقد أن مشكلات المجلس قد حُلَّت، وأن أداءه سيتبدَّل بين ليلة وضحاها، فليس ذلك من طبيعة الأشياء. وربما لا يكون منطقياً أن ننتظر أداء برلمانياً خارقاً للنائبات الأربع، أو أن نحملهن أكثر مما تحتمله الطاقة، ونرفع سقف التوقعات الذي قد يقود في النهاية إلى الإحباط. لكنني- وبشكل شخصيٍّ- أتوقع أداء جيِّداً بحكم التأهيل الرفيع للنائبات الأربع، وخبراتهن الطويلة، غير أن من الضروري أن يتجاوزن ما أحاط بالحملات الانتخابية من صخب في الاتجاهات الخاطئة، ويبتعدن عن مناخ المواجهة والمساجلة. من الضروري أن يبدلن محور المعركة من الحديث عن "النوع"، إلى الحديث عن الأداء، أي من الحديث عن كونهن نساءً إلى الحديث عن كونهن في موقع النيابة.

إدراك النوع مهم، وقد يساعد على طرح بعض القضايا بصورة أفضل، لكن النائبة في النهاية تمثل مجموع الشعب، برجاله ونسائه. وهذا الإدراك قد يساعد على تجنب "تأنيث" الممارسة، ويُجهض كثيراً من المعارك الفارغة التي تستهلك الطاقة، وتستقطب الاهتمام الزائف، وتجني على الممارسات الحقيقية والجادة.

يبقى على كل حال، ومهما كان ما تتمخض عنه التجربة، أن طوقاً قد انكسر، وقيداً قد تحطَّم. انتصر المجتمع على قبليته.. على التشويه الذي لحق بتراثه واصطنع قيماً تقلل من شأن المرأة. وهل النجاح إلا لبنة توضع فوق لبنة حتى يعلو البناء؟ فوز نساء الكويت لبنة للنجاح، تدل على أن المسيرة تتجه صوب الأمام. بالأمس القريب نالت المرأة في الكويت حقها في الترشيح والانتخاب، وإن هي إلا سنوات أقل من أصابع اليد الواحدة حتى تحقق نجاح فاق توقعات المتفائلين. نحن إذن على الدرب الصحيحة.

لكثرة ما يُثقل الواقع العربي من هموم وآلام، أبحث عن نقاط الضوء ومساحات التفاؤل والأمل. وفي نجاح النائبات الأربع فضاء رحب للتفاؤل والأمل.

*باحثة سياسية مصرية

amal.m.sakr@gmail.com

التعليق