التنمية عن طريق التربية

تم نشره في الأحد 24 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

قال لنا مسؤول الشؤون الثقافية في بلدية ميونخ، إن ميونخ تُعتبر "مدينة ثقافية". ذكّرتني مقولته تلك بجهود عواصم الثقافة العربية واحتفالياتها، ثم بجهود مدن الثقافة الأردنية واحتفالياتها، وبالطبع فإن المعنى في الحالتين الألمانية والعربية مختلف إلى حد كبير.

في ميونخ، تعني مدينة الثقافة، أن الثقافة جزء من حياة الناس فيها، وهو أمر ملحوظ حقاً، إذ تمتلئ قاعات ومسارح الفعاليات الثقافية عن آخرها، بما في ذلك فعاليات الهواة وغير المحترفين، برغم أن الدخول إليها ليس مجانياً. الناس هناك يتعاطون مع حضور الفعاليات الثقافية باعتبارها ضرورة حياة، وليس ترفاً أو تسلية، والمعروف بين الألمان عن أهل ميونخ، أن لهم طقوسهم في حضور الفعاليات، بما في ذلك اتخاذ لباس معين لكل نوع منها.

هذا التعاطي الإيجابي مع الفعاليات الثقافية، لا ينفصل حتماً عن الواقع المتحضّر لمجتمع المدينة. على سبيل المثال، ظننا أنا وزملائي حين وصلنا مطار ميونخ، أنه فارغ أو يكاد، إذ لم نسمع فيه إلا همساً. المطار لم يكن كذلك، لكن الناس لم تعتد أن ترفع صوتها، وهو أمر ملحوظ حتى في الأسواق والمقاهي، إلا نادراً. وليس ثمة داعٍ للإشارة إلى احترام النظام العام في الوقوف بالطابور، والوقوف على الإشارة الحمراء للمشاة، وبرغم أن مثل هذه الأشياء موجودة في مدن أخرى، إلا أن ثمة اعتزازا استثنائيا من أهل ميونخ بأنهم يقفون على الإشارة الحمراء، حتى في الشوارع الفرعية في أيام الأحد، حيث لا سيارات ولا مرور ولا أزمة ولا رقيب ولا حسيب، إلا وخز الضمير الحي.

في عالمنا العربي، يكون المعني من مدن وعواصم الثقافة، تشجيع أهلها على التعاطي اليومي مع الثقافة، من خلال زيادة فعالياتها، وتسليط ضوء الإعلام عليها، وجذبهم من ثم لحضورها، لعل الثقافة تصير جزءاً من يومياتهم. بهذا المعنى، فإن مدن الثقافة العربية، هي مدن "طامحة" لتطوير دور الثقافة في حياة سكانها، وليست مدناً تشهد دوراً ملموساً للثقافة فعلاً.

إذا لاحظنا الفوارق الحضارية بين الحالتين، يكون منطقياً أن ندرك وجاهة المشاريع العربية في عواصم ومدن الثقافة، وضرورتها. فالمجتمعات الغربية أنجزت نهضتها الحضارية موضوعياً، ولم يعد للثقافة فيها دور تنموي أساسي (على الصعيد البشري)، أما في عالمنا العربي، فثمة دور "تحضيري" ما يزال مناطاً بالثقافة، وهو من دون شك مهمة أساسية لتهيئة ظروف النهوض الحضاري.

الوصول إلى نقطة تصير فيها الثقافة جزءاً من الحياة اليومية، فيكون لها أثرها في تطوير سلوك المجتمعات ومن ثم إنهاضها، هو بالضبط "خطة التنمية" الواقعية للعمل الثقافي. لكن الواقعية تقتضي أيضاً التسليم بأن الأمر يحتاج وقتاً طويلاً نسبياً، لأنه إنما يتعلق بخلق مفاهيم جديدة تجاه الثقافة، تقود إلى ممارسات حياتية مختلفة.

من هنا، يبدو ضرورياً توجيه كثير من الجهود للأجيال الجديدة، و"تربيتها" على تلك الممارسات الجديدة. إنها باختصار "التنمية عن طريق التربية"، أي غرس مفاهيم وسلوكيات مختلفة عن هذه السائدة تجاه الثقافة، بين الأطفال والشباب، بما يمهد لترك أثر تنموي لتلك الثقافة في السلوكيات والعلاقات في المجتمع. ما يزال الأمر ينطوي على كثير من التنظير: أليس كذلك؟!

samer.khair@alghad.jo

التعليق