التحدي الداخلي للأمن الوطني: خطورة انهيار الطبقة الوسطى

تم نشره في الثلاثاء 19 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

- تنامي الشريحة الاجتماعية، التي تقع ضحية الفقر والبطالة، سيقود الى مضاعفات مركبة تترك اثارا خطرة على امننا الوطني واستقرارنا الاجتماعي

- بالرغم من الجهود الحكومية لمحاربة ظاهرتي الفقر والبطالة, وإنفاق مئات الملايين من الدنانير, الا ان ارقام البطالة والفقر ما تزال تراوح مكانها

بدأت ملامح مفهوم الامن الوطني الاردني بالظهور خلال الحرب العالمية الثانية في بداية الاربعينات. واستمر هذا المفهوم قائماً حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. فقد شاهدنا في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات سلسلة من الاحداث المهمة مثل: انهيار الكتلة الشيوعية وجدار برلين واتحاد الالمانيتين, وانقسام تشيكوسلوفاكيا وحروب الخليج.

أدت هذه الاحداث بمجملها الى تغيير جذري في النظام العالمي. ومنذ ذلك الوقت, يمر النظام العالمي في مرحلة اعادة تشكيل, مع عدم وضوح الرؤية في ملامحه او شكله النهائي، ولقد ادى انتهاء الحرب الباردة الى ظهور نظام القطب الواحد, وتلا ذلك انطلاق تيار العولمة مع ما رافقه من مفاهيم اقتصادية جديدة ومنها الخصخصة.

في ذلك الوقت, شهد الاردن أحداثاً كانت لها تداعيات مهمة، مثل انهيار الدينار الاردني، وما تبع ذلك من الدخول في برامج التصحيح الاقتصادي بالشراكة مع المؤسسات الدولية.

وبالحدس التاريخي للقيادة الاردنية, التي احست ببدء رياح التغيير العالمي, فقد ارتأت العودة الى تبني الخيار الديمقراطي عام 89، ووجهت القيادة جهداً كبيراً للداخل (الميثاق الوطني، والانتخابات النيابية عام 1989، والغاء قوانين الطوارئ، وصدور قوانين عصرية)، ما مكن الاردن من الصمود وحيداً في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة, وخاصة خلال فترة حرب الخليج الثانية وتداعياتها. وبمعنى آخر, فقد ارتد الاردن الى ذاته في الوقت المناسب, ليعمل على تحصينها امام التحديات الجسام التي واجهته آنذاك.

كان من شأن هذه التغييرات، مع ما رافقها من احداث (واهمها حرب الخليج الثانية ونتائجها, واطلاق عملية المفاوضات العربية- الاسرائيلية لايجاد حل لمشكلة الشرق الاوسط بتعقيداتها, كافة مع ما تلا ذلك من التوصل الى اتفاقية اوسلو مع الفلسطينيين واتفاقية السلام الاردنية- الاسرائيلية)، ترك اثار عميقة على الاردن ومفاهيمه لأمنه الوطني.

ويمكن القول إنّ ما حدث في نهاية القرن الماضي من أحداث جسام هو بمثابة زلزال قوي ضرب النظام العالمي وكان يحتاج إلى وقت ليستقر على شكله الجديد. ولكن قبل وصول سيرورة التغيير إلى مرحلة الاستقرار, جاءت احداث ايلول 2001 والهجمات على نيويورك وواشنطن كزلزال جديد هز بعمق النظام العالمي مغيراً اتجاهاته ومفاهيمه.

في محددات الأمن الوطني وهيكله العام

استند مفهوم الامن الوطني الأردني في الأساس إلى المحافظة على الأردن وصون استقلاله ضد القوى المعادية التي تهدد اسلوب الحياة الذي ارتضاه شعب هذه الدولة.

ومن هنا تبدأ مهمة مؤسسات الدولة المختلفة لضمان استقلال الدولة وتأمين مصالحها المهمة والحيوية وخلق المناخ الملائم لازدهار وتقدم الشعب. وعادة ما تبدأ المؤسسات الدفاعية على سبيل المثال مراحل تخطيطها لتنفيذ مهامها بتعريفها للقيم السائدة وتحديد المصالح الوطنية وتقييمها للتهديد لهذه القيم والمصالح, ووضع السياسات والاستراتيجيات لمواجهة المواقف المختلفة, بما في ذلك حشد القوة الذاتية وبناؤها.

فالمصالح الاردنية تنبع من القيم السائدة والشعور بالاخطار في المجتمع, والتي يشترك فيها اغلبية الاردنيين. واجمالاً فالمطلوب كاحتياج اساسي هو حرية الفرد وضمان امنه وامن عائلته وحماية ملكيته الفردية. ومن هنا نلاحظ ان مفهوم الأمن يتمحور حول الفرد وحقوقه ونوعية حياته. ويشترك الأردنيون بالشعور بضرورة العمل الجاد على استعادة حقوق الشعب الفلسطيني وهي همّ وطني رئيسي.

إن تحديد هذه القيم والشعور الجمعي بالأخطار يخدمنا في معرفة اهتمامات الاردن الرئيسية ومصالحه الوطنية العليا وهي: ضمان الاستقرار الداخلي, واهمية استقرار الانظمة الصديقة والموالية والمتعاطفة معنا, او التي نستفيد منها، واستعادة الحق العربي في فلسطين. أما المصلحة الأهم فتكمن في المحافظة على الاردن كبلد حر ومستقل، وبقاء مؤسساته واسلوب حياة الاردنيين.

يسعى الاردن للتعاون مع الجوار ويرفض مبدأ التدخل بشؤون الاخرين. هذا هو ما يعلي تحالفاته السياسية وصداقاته، وبالتالي يحدد استراتيجياته.

إذن، المصلحة الوطنية تكمن في التركيز على الاستقرار, الذي يؤدي الى النمو والازدهار كأولوية ملحة، والاستعداد للتعاون المشترك في مجال استعادة الحقوق العربية. وهذه الحقائق حول المصالح الوطنية واولوياتها تنعكس بالضرورة على فلسفة بناء قواته المسلحة فهي فلسفة دفاعية بالمقام الاول.

في بناء مفهوم الأمن الوطني

مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات حدث تحول تدريجي في مفهوم الامن الوطني بصورة عامة، وبدأت تظهر تعابير ومصطلحات الامن الشامل، الامن الانساني، الامن الناعم.

الاعتبارات الدفاعية المجردة لم تعد هي المعيار الوحيد للأمن الوطني. فالقوة العسكرية اذا كانت معزولة عن الواقع الوطني والاقليمي وعن متطلبات التنمية, فإنها تصبح عبئاً على الدولة وعلى الاقتصاد وعلى المجتمع, ولن تشكل ضماناً اكيداً للامن. فالبعد العسكري المجرد هو المفهوم الضيق لامننا الوطني ويعكس ادراكاً محدوداً للمتغيرات التي طرأت على مفاهيم الامن الحديثة لمكونات القوة الوطنية وعناصرها الحقيقية.

وعليه، فإن المفهوم المتطور للامن الوطني ينطلق من كونه مفهوماً مجتمعياً يتعلق بقضايا التنمية الشاملة للمجتمع وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني والازدهار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إن الامن الوطني الحقيقي يكمن في إدراكنا العميق لعناصر القوة والضعف في اقتصادنا ومحدودية الموارد وطبيعة الجغرافيا وفي انفتاحنا الفكري والعلمي.

وعلى صعيد آخر, توفرت القناعة بأن الاستقرار الاجتماعي هو الأرضية الحقيقية للاستقرار السياسي والامني. وفقاً لذلك أصبح الإنسان الاردني هو هدف السياسات الوطنية واداتها ووسيلتها وهو قوتها المحركة والعنصر الاساسي في التنمية السياسية والاقتصادية.

القوة البشرية هي احد عناصر القوة الوطنية في الدولة, ويجب ان لا نسمح لهذه الميزة بالتراجع بفعل الوضع الاقتصادي الضاغط, واتساع حالة الاحباط وارتفاع كمية التعليم على حساب النوع وضعف البيئة العلمية والتقنية. اذا سمحنا بحدوث تراجع في القوة العامة للدولة بتعطيل ركن اساسي من اركان الانتاج, فإن ذلك سيهدد امن المجتمع ويحوّل مسألة التنمية البشرية إلى قضية أمن وطني، ويجعل اعادة النظر ببناء التنمية البشرية ضرورة أمنية.

مصادر تهديد الأمن الوطني حتى نهاية الثمانينيات

أولاً، مرحلة التأسيس حتى عام 1950: منذ تأسيس الامارة في عام 1921 وحتى بداية الاربعينات, بقيت الاهتمامات داخلية, وتمثلت في التركيز على عملية بناء الدولة والمؤسسات.

ثم بدأ الاردن بلعب دور اقليمي في بداية الاربعينات، من خلال قواته المسلحة، اذ ساعد الجيش القوات البريطانية في عملياتها ضد حكومة فيشي في سورية المتعاونة مع الاحتلال النازي، وفي اخماد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941، وفي حماية الخطوط الخلفية للجيش البريطاني في فلسطين والعراق.

كان من نتيجة هذا الدور الاقليمي استكمال بناء القوات المسلحة ودخوله كعضو مؤسس في جامعة الدول العربية رغم انه كان ما يزال تحت الانتداب وكان حصوله على الاستقلال التام في 25/5/1946. تلا ذلك قيام اسرائيل، وبدأ التغيير في ميزان القوى العالمي، نتيجة لظهور اميركا وروسيا، وبداية ضعف بريطانيا وفرنسا، ما ادى الى تغيير في التحالفات في المنطقة.

مع حرب عام 1948 بدأ يتعاظم الخطر الصهيوني مع اعلان بريطانيا انتهاء انتدابها على فلسطين في 15/5/1947، وفي غياب آليات للعمل العسكري العربي المشترك, تنادت الدول العربية الى اجتماع عاجل, وقامت بتعيين الملك عبدالله قائدا اعلى للجيوش العربية, ولكنها كانت قيادة صورية الى الدرجة التي كان لا يستطيع فيها تفقد او زيارة الجبهات. فالتنسيق كان مفقوداً مع اختلاف اهداف كل طرف من المشاركين العرب, ما ادى الى حدوث نكبة 1948. ثم قرار الوحدة بين المملكة الاردنية الهاشمية والضفة الغربية عام 1950.

ثانياً، التهديد خلال مرحلة "استكمال البناء" (منذ الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات): اتسم التهديد خلال هذه الفترة, بثبات في مصادره مع تغير نسبي في نوع وقوة وجدية كل تهديد في المراحل المختلفة. لقد تعرض الأردن خلال هذه الفترة الى عدوانين خارجيين: الاول, من قبل اسرائيل عام 1967 والثاني, من قبل القوات السورية والمنظمات الفلسطينية عام 1970.

أما بالنسبة للتهديد من الداخل، فلقد ظهرت التنظيمات الحزبية وفصائل المقاومة الفلسطينية كمصادر لتهديد الامن الوطني الاردني, حيث اشتد تهديد التنظيمات الحزبية, بما لها من ارتباطات خارجية, خلال الفترة 1955-1960، وادى كذلك اختلاف المنظمات الفلسطينية مع الدولة في الفترة 1968 - 1970 الى حوادث الامن الداخلي عام 1970.

وبالرغم من صعوبة تصنيف التهديد إلى خارجي وداخلي، لتشابك وتعقد العلاقة بين مصادر التهديد وانواعه، الا انه يمكن القول بأن التهديد بشكل عام جاء من ثلاث جهات او دوائر وبمستويات مختلفة. الدائرة الاولى: التهديد الاسرائيلي. الدائرة الثانية: الانظمة العربية المجاورة. الدائرة الثالثة: التنظيمات الحزبية والمنظمات الفلسطينية.

ومن المهم التأكيد على ان مصادر تهديد الامن الوطني هذه تفاعلت، وعملت تحت تأثير اطار اكبر وهو القضية الفلسطينية، فقد حكم البعد الفلسطيني تداخل وتشابك مستويات تهديد هذه المصادر.

القضية الفلسطينية هي جوهر النزاع العربي- الاسرائيلي, وهي المبرر الذي استندت اليه تدخلات الانظمة العربية, والاختلاف في الاجتهاد حول اسلوب استعادة الحق العربي في فلسطين هو الذي ادى الى الخلاف مع التنظيمات الفلسطينية والحزبية.

خلال تلك الفترة, لجأ الاردن الى تبني عدد من الاستراتيجيات، وعلى المستويات المحلية والاقليمية والدولية:

فعلى المستوى المحلي: يمكن ملاحظة انه كان هناك خطان للاستراتيجيات الاردنية:

الأول، استراتيجية التوازن الاجتماعي، من خلال اتباع جملة من السياسات تجاه مختلف مكونات المجتمع الاردني اثنيا ودينيا ومذهبيا، بحيث أصبح يشعر كل مكون بأنه الاقرب للدولة والمفضل لديها.

الثاني، اهتمام الدولة الشديد بالمؤسسات الدفاعية والامنية، وعدم السماح بتسييسها، ودعمها بحيث اصبحت مؤسسات مهنية محترفة.

أمّا على المستوى الاقليمي: يمكن ملاحظة ثلاثة انماط رئيسية للاستراتيجيات الاردنية:

الأول، نمط الاحتفاظ بحليف او اكثر وبكل الظروف, وتبديلهم اذا دعت الحاجة (مصر، السعودية، سورية، العراق).

الثاني: نمط اتباع سياسات التوفيق بين الدول العربية والتوسط لحل الخلافات بينها.

الثالث: نمط مساعدة الدول العربية، التي تحتاج إلى مساعدة، سواء في المجال العسكري او في تطوير القدرات البشرية.

أما على المستوى الدولي: فيمكن ملاحظة ان النمط الاستراتيجي الرئيسي تمثل في سعي الأردن للاحتفاظ بشبكة واسعة من الصداقات الدولية، وبشكل خاص مع الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي.

مصادر التهديد الحالية داخلياً وخارجياً

سأجمل في البداية التحديات والتهديدات التي تواجهنا، وهي، على الصعيد الداخلي: التحدي الاقتصادي، تحدي التنمية الشاملة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحدي التطرف. أمّا على الصعيد الخارجي، فيأتي التحدي الاسرائيلي وسياسات اسرائيل تجاه الفلسطينيين، وكذلك التحدي الاقليمي (العراق, ايران, لبنان).

سيقتصر حديثي، هنا، عن التحديات الداخلية. وبداية لا بد من التوضيح أن هذا التقسيم للتحديات لا يعني انها غير متشابكة، ولا تؤثر على بعضها بعضا.

على سبيل المثال, فإنّ الصراع العربي- الإسرائيلي وضع الأردن في قلب ازمة المنطقة المزمنة, وقد كان على الاقتصاد الاردني أن يتحمل الآثار الاقتصادية، التي فرضتها معطيات الصراع وافرازاته. لقد تم التركيز على الجانب الدفاعي والامني, في حين بقي موضوع التنمية الشاملة على مدى سنوات الصراع بمثابة اولوية متأخرة, ولذا لا بد من الخروج من المأزق التنموي الذي انتجه الصراع العربي- الاسرائيلي, والضغوطات الاقتصادية التي احدثها الاتفاق الدفاعي العالي في فترات التوتر السياسي والامني التي رافقت هذا الصراع.

الاردن، كما يعلم الجميع، يجتاز منعطفات تاريخية واحدا تلو الآخر. ولعلي لا أبالغ إن قلت ان هذه المرحلة هي مفصل تاريخي تمر فيه المنطقة بأخطر اوقاتها, وتتكاثر بها التحديات, فالظروف الدولية والاقليمية تفرض علينا تحديا اقتصاديا ماثلا مع الارتفاع المنفلت من كل عقال على صعيد الأسعار للمواد المختلفة، وبالتالي على كلفة الحياة على المواطن، فهذه الفترة تحمل معها تحديات جسيمة مما يفرض نمطا خاصا واستثنائيا في التعامل والولاء.

وبالرغم من الجهود الحكومية لمحاربة ظاهرتي الفقر والبطالة, وإنفاق مئات الملايين من الدنانير, الا ان ارقام البطالة والفقر ما تزال تراوح مكانها, الامر الذي يستدعي وقفة مراجعة لأساليبنا في العمل ومنهج المعالجة.

لقد كان من شأن اتباع سياسات الاقتصاد الحر المفتوح, وانضمام الاردن للاتفاقيات الدولية FTA, EU, WTO مع اميركا ودول اخرى, تأثر بعض القطاعات الانتاجية مرحليا، ولكن الاهم هو تأثر شرائح كبيرة من المواطنين ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة, وحدوث خلل في التوزيع الهرمي لشرائح المجتمع على حساب الطبقة الوسطى.

الفقر والبطالة حالتان متلازمتان في الغالب, وتهددان بتداعيات خطرة، وهما اخطر تهديد يواجه مجتمعنا. فتنامي الشريحة الاجتماعية، التي تقع ضحية هاتين الظاهرتين، سيقود الى مضاعفات مركبة تترك اثارا خطرة على امننا الوطني واستقرارنا الاجتماعي، وأبرزها "انهيار الطبقة الوسطى" في المجتمع وحدوث تشويهات كبيرة في تركيز الثروة وتوزيع مكتسبات التنمية ونمو الاستياء العام والميل نحو العنف وتزايد الجريمة وفقدان حالة الامن والاستقرار والتحول باتجاه التطرف الفكري والديني والانحلال الاجتماعي والانحراف القيمي والاخلاقي.

ويبقى التحدي الأكبر هو الحد من مستويات البطالة، لأنه المبدأ الاساسي في تحسين نوعية الحياة للمواطن الاردني. فالحلول القائمة على المساعدات المالية المباشرة والتوسع في التوظيف الحكومي حلول مؤقتة، ولكنها ليست حقيقية، وتكمن الحلول الحقيقية في التنمية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تساهم في خلق البيئة العامة للتشغيل والانتاج والنمو للسيطرة على هذه الظاهرة.

مبادرة جلالة الملك في انشاء الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب بالتعاون مع القوات المسلحة تصب في الاتجاه الصحيح. كما أن من شأن توفير التمويل اللازم للمشاريع الصغيرة وتقديم قروض انتاجية تشمل الخريجين من الجامعات ودعم برامج التأهيل المهني والاجتماعي للاسر الفقيرة, والتوسع في تطوير مؤسسات المجتمع المدني واستثارة روح التكافل الاجتماعي من جمعيات واندية ومنتديات ومنظمات تعنى بالطفل والمرأة والمعوقين والمسنين ومؤسسات رعاية الايتام وتأهيلها، إضافة الى تأمين الرعاية الصحية الشاملة، من شأن كل هذا السير بالاتجاه الصحيح.

ومع إدراكنا بأن هناك التزامات دولية لا يمكن العودة عنها, وكذلك عدم جدوى العودة الى دور الدولة الراعية او مفهوم الدولة الشمولية, فإن لنا في الاردن خصوصية وظروفا معينة تملي علينا اتباع طريق ثالثة بين اقتصاد السوق الحر والاقتصاد الشمولي، وهذا بالضبط ما يتبناه جلالة الملك في الدور الاجتماعي للدولة.

حرص جلالة الملك على عدم تعويم اسعار المحروقات خلال عام 2007، قبل اكتمال شبكة الامان الاجتماعي التي تساعد شرائح المجتمع من ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة على تجاوز الازمة، اضافة الى اطلاق مبادرات مثل المكرمة الملكية لإسكان الاسر العفيفة، وهناك افكار نأمل ان تتم دراستها مثل دمج المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية لتشكلا شركة كبرى قائدة للسوق MARKET MAKER تعمل من دون هامش مربح وتحقق التوازن بين العرض والطلب، وذلك من دون الإخلال بالالتزامات الدولية, مما سيساعد على انتشار اسواق المؤسستين في المدن والارياف، ويبلغ عددها اكثر من 100 سوق. كما آمل ان يتم الاستمرار بالعمل بالأسواق الموازية او الشعبية ودعمها.

في هذا السياق, لا بد من القول ان تيار العولمة استمر في اقتحام مزاج وسلوك الدول النامية والفقيرة, ليزيد من الخلل في ميزان الانتاج والاستهلاك وميزان الدخل والانفاق.

تبنت شعوب الدول النامية اليوم الثقافة الغذائية الغربية على أنها معايير لمستوى معيشي جيد، واصبحت الشركات التجارية والصناعية الكبرى تحدد من وراء البحار سلوكنا الاستهلاكي وتؤثر في تقييمنا لمستوى المعيشة، بخاصة عند جيل الشباب، الشريحة الاوسع، وتؤثر كذلك في سلوكنا الاستهلاكي نتيجة التطور في اساليب الدعاية والإعلان والترويج للسلع.

على صعيد آخر، لا بد من إعادة النظر بسياساتنا في موضوع تنمية القوى البشرية والالتفات الى الثقافة الوطنية العامة بتطوير مادة التربية الوطنية وتركيز المناهج على القيم السامية والموروث الحضاري وابراز الهوية الاردنية والتركيز على كبرياء المواطن.

كما ان هناك ضرورة لتأسيس ثقافة العمل الجماعي والتطوعي ومفاهيم الخدمة العامة، ونحتاج الى زرع ثقافة العمل الجاد، والبداية الحقيقية هي في تكافؤ الفرص والتصدي للفساد والمحسوبية والواسطة وفتح المجال امام التنافس الحر القائم على الكفاءة, الشعور بالعدالة لدى المواطن في غاية الاهمية ويبدأ من توزيع برامج التنمية ومكاسبها على المحافظات.

التطرف: محركاته الداخلية والخارجية

حالة الامن والاستقرار الذي يعيشه الاردن هي الانعكاس الحقيقي لنهج الاعتدال السياسي. وقد أثبتت النظرة الوسطية، التي انتهجتها القيادة الاردنية، اهمية وفاعلية كبيرة في التعاطي مع الأزمات الاقليمية والدولية والحفاظ على التوازن في علاقاتنا مع الاخرين حفاظا على الحقوق والمصالح.

إن استمرار نهج الدولة السياسي، بما فيه من ميزة الاعتدال، سيمكِّن الاردن من تجاوز جميع المحن والتحديات المحيطة به الى بر الامان في ظل القيادة الهاشمية موصولة العطاء.

أما التخلي عن الاعتدال السياسي فيدفع باتجاه المستقبل المجهول, ويفسح المجال امام المعتقدات الجامدة التي تنجم عن الانقياد الاعمى والتعصب لافكار عفّى عليها الزمن.

في السياق، فإنّ الأزمات التي عصفت وتعصف بالمنطقة من فلسطين الى العراق ولبنان، وكذلك باكستان وافغانستان، تزيد العبء علينا في دعم الاعتدال ومكافحة التطرف الذي تمثله حركات وتيارات ترفض الواقع رفضا نهائيا ولا ترى فيه اي نقطة ضوء, وتترجم هذه الرؤية في برامجها ونشاطاتها.

في المحصلة، فإنّ الاعتراف الكامل بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، وانهاء الاحتلال، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، هي مطالب اساسية تعزز قوة الدفع نحو الاصلاح في العالم العربي وتقوي الاعتدال وتكبح الميل نحو التشدد والتطرف والعنف السياسي في المنطقة.

* مستلّةٌ من محاضرة ألقاها د. معروف البخيت، مساء السبت الماضب، بدعوة من بلدية الشفا في محافظة عجلون بالتعاون مع جمعية الدفاع الاجتماعي، بعنوان "الأمن الوطني وانعكاساته على الأمن الاجتماعي".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »في منهاج التربية الوطنية (سامر سرحان)

    الثلاثاء 19 أيار / مايو 2009.
    اخوتي واخواتي
    قد قرأت ما جاء في بعض محاضرة دولة الدكتور البخيت، واني لأقول بأن محاضرات كمثل هذه في العمق المبسط الذي يقدر ان يحتويه المواطن العادي غير المتخصص، يمكن ان تكون ذات حضور قوي في توعية شبابنا في المدارس والجامعات اذا اقر دمجها في مناهج التربية الوطنية او اي مساقات جامعية ذات علاقة. ان بعض ما ورد،وان كان مقتضبا هنا، الا انه يشرح ويوضح لأجيال المستقبل بساطة واهمية ارتباط الفرد بثقافته وكيف ان دور الفرد في المجتمع من الممكن اان يؤثر ،سلبا او ايجابا، في الامن القومي لبلده.
    لست من اهل الاختصاص لأسهب، انما هذا ما ارتأيت في قراءة عجلى.
    والسلام
  • »الطبقة الوسطى (ناصر الرحامنة)

    الثلاثاء 19 أيار / مايو 2009.
    لا شك ان محاضرة دولة الدكتور معروف البخيت هامة وقيمة وتستحق الدراسة والتحليل اكثر واكثر.لا سيما اننانحن ابناء الطبقة الوسطى التي انهارت من وجهة نظري واصبحنا فقراء لا نستطيع مجابهة الاعباء المالية الطلوبة منا لعائلاتنا ولانفسنا,فلقد تاكلت رواتبنا ولم تعد تكفي الا لايام معدودة من الشهر مما اضطر الكثير ممن اعرفهم وانا منهم للبحث عن عمل اخر بعد العمل الرسمي لمحاولة مجابهة الظروف التي نعيشها.اضافة الى معاناة السواد الاعظم من عدم الحصول على ما يستحقونه من اعمالهم الرسمية بفعل الواسطة وغيرها.
    اما التحدي الخارجي فكلنا شركاء في التصدي له ولن تنجح اية محاولة في التعدي على الوطن بسبب قوة ومنعة جبهتنا الداخلية وولائنا المطلق للقيادة الهاشمية.
    راجيا من دولة الدكتور ان يركز على الحلول لكل التحديات التي طرحها وان تتم مناقشتها بكل شفافية اضافة الى اشراك
    الاغلبية في ذلك ولا تقتصر الامور دائما على النخبة التي لا تتغير ابدا.مع احترامنا وتقديرنا لدولة الكتور معروف البخيت ولكل الرموز الوطنية المخلصة للملك والوطن والشعب الاردني العظيم بكل اطيافه.