الاحتفالي والتحريضي في زيارة البابا

تم نشره في الخميس 14 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

لم تكن زيارة الحبر الأعظم لتمر بسلاسة. حتى لو نذر فيها صوما عن الكلام واقتصرت على مناجاة الخالق. فالموقع تاريخيا يتداخل فيه الديني مع السياسي. وكما كان يتوقع الفاتيكان امتلأت طريق الحج بالألغام.

أردنيا، لقي البابا حفاوة رسميا وشعبيا من مقدمه إلى مغادرته. واقتصر التنغيص على تصريحات بعض الإسلاميين والأرثوذكس. ولم تنزلق إلى المهاترات أو التجريح. ولا يقبل باسم الاحترام والحساسيات تغييب العقل وإلغاء النقاش والحوار. فعلماء الدين الإسلامي من القرضاوي إلى شيخ الأزهر مرورا بهيئة كبار العلماء وصولا إلى السيستاني وغيرهم من المذاهب كافة يساءلون ويناقشون في اجتهاداتهم الدينية والسياسية. واحترامهم واحترام من يتبعهم لا يعطي قداسة للرأي أو الشخص.

لم نشهد في الزيارة أجواء حوار راقية وعميقة. راوح الحوار بين الضحالة والسطحية والمساجلة السياسية. من يقرأ خطابات البابا في الأردن يلمح خيطا واحدا ينظم حباتها لم يلتقطه الإسلاميون. ظل يرد على رأي متداول خلاصته أن الدين سبب شقاء الناس وتأخرهم، ومن خلال الأردن قدم نماذج عملية كيف يمكن لأهل الدين مسيحيين ومسلمين نفع مجتمعاتهم اعتمادا على الطاقة التي تولدها قيم الدين. كان بإمكان الإسلاميين أن يرحبوا بزيارة البابا لمراكز الأيتام في جمعية المركز الإسلامي. ويبحثوا معه مشاريع مشتركة لمواجهة الفقر والبؤس والمرض.

 

كان بإمكان الإسلاميين أن ينتقدوا بجرأة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية من الحروب الصليبية إلى محاكم التفتيش إلى محاضرة البابا الإشكالية. في المقابل عليهم أن يظهروا مساهمتهم في محاربة داء الطائفية. في الأردن وقبل عقود عندما كان أحمد قطيش رئيسا لبلدية مأدبا المنوعة دينيا واجتماعيا احتفل بمقدم المطران سليم صايغ. فكيف لو كان البابا نفسه؟ هذه البلاد لم تشهد حروبا طائفية ومذهبية. وتاريخيا الكنائس المبنية قرب المغطس يعود تاريخها للعصر الإسلامي الأول، فهل الإسلاميون اليوم أكثر إسلامية من ذاك الزمان؟

قبل الفتح الإسلامي كان أجدادنا من نصارى العرب، ومنهم من أسلم قبل الفتح، كما حال أمير معان عمرو بن فروة الجذامي، الذي أسلم وقتله الروم ومنهم من أسلم بعد الفتح, ومنهم من ظل على نصرانيته. وظلت الشخصية المسيحية منفتحة على العروبة قوميا وعلى الإسلام ثقافيا، والحروب الطائفية كانت اختراعا وافدا من الحروب الصليبية التي سماها مؤرخونا حروب الفرنجة وعلى "إسرائيل" باعتبارها دولة اليهود على حساب المسلمين والمسيحيين.

حتى في موضوع اليهودية ما المشكلة في حديث البابا على جبل نيبو عن اليهود؟ أليس القرآن الكريم مليئا بقصص بني إسرائيل؟ هل نعادي اليهود لدينهم أم لعدوانهم علينا؟ على الحركة الإسلامية أن تتنبه من انزلاقها إلى منحدر الطائفية من حيث لا تدري!

قدم الأمير غازي مرافعة مقنعة عن المسيحية في الشرق بعامة وفي الأردن بخاصة. فالمسيحيون كانوا مع بني قومهم من الفاتحين، ولم يكونوا مع الغازي الفرنجي. وفي الدولة الحديثة كانوا مواطنين على أساس الهوية الوطنية والحقوق الدستورية. ولدينا نموذج في الشراكة الوطنية يمكن أن نسوقه  للفاتيكان وللعالم.

أردنيا، كذلك، بدت صورة المسيحيين مشرقة، أما غرب النهر فقد زرع الإسرائيليون الطريق بالألغام من ميلاد المسيح إلى محرقة غزة. وكان الأب مانويل مسلم ثكلى على غزة لا نائحة. وفي عتابه على البابا لم يكن أحد ليزاود عليه لا في فلسطينيته ولا عروبته ولا كاثوليكيته. فهو راعي كنيسة غزة التي أحرق المحتلون نسلها وحرثها. وكان من جيشهم شاليط الذي زار البابا أسرته مواسيا.

يؤمل أن تفتح زيارة البابا أفقا رحبا لإعلاء قيم الدين من الفضيلة والمواساة والمواطنة والاستقلال والكرامة. وتلك القيم تتجذر بالحوار الراقي لا بالاحتفاليات أو التحريض.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خطأ الايميل (فرس اصيل)

    الجمعة 15 أيار / مايو 2009.
    اسفه يا استاذ ياسر كتبت ايميلي غلط في التعليق السابق اقبل اعتذاري
  • »كما فعل عمر (الفرس الاصيل)

    الجمعة 15 أيار / مايو 2009.
    ماالعيب في ان نكون شعب مسلم متسامح ونعامل النصارى كما نحب ان نعامل ,لا يعني حديث البابا عن المسلمين شيألنا فنحن اعلم بأنفسنا من غيرنا.وان اخطأ في حقنافقد اعتذر بطريقته.ولكل اسلوبه.ولنتذكر عمر رضي الله عنه كيف اكرمهم,وما فعل ذلك الا لنكون مثله فبالسلام تحيا الامم
  • »هو في نازاريت الان (ليل)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    عندمازار القدس استقبلته اسرائيل
    بأطفال جميلي المنظر يغنون اناشيد بريئة للبابا باصوات بريئة
    احتفلوا به في الطبيعة الساحرة
    بان وراءه اشجار البرتقال المثمرة
    منظر ساحر
    يخال لناظره بأنها الجنة
    لكن يفطر له القلب قهرا

    ليل
  • »الاسلاميون (ابو رائد الصيراوي)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    اصاب السيد ياسر ابو هلاله في طرحه هذا المقال.
    وفعلا ان الاسلاميين عندنا واعني الاخوان المسلمون كحزب عودنا على الضجيج بدون افعال وما انتقاداتهم لزيارة البابا للاردن الا دليلا على سطحيتهم بتناول الامور فكان الافضل لهم دعوة البابا الى مراكزهم للنقاش بدل الانغلاق على انفسهم وكانهم حماة الاسلام وحدهم وجميع المسلمون المنفتحون على الحوار لا يفقهون دينهم.

    لماذا المغالاة بالامور يا اخوان مسلمون اليس ديننا مبني على التفكر والنقاش وقبول الاخر؟
  • »تعليق (م محمد العودات)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    على كل ما ذكرت لا اجد بزيارة رجل الدين هذا مع احترامنا للمسيحيين باردننا اي خير بل احرجنا امام الشعوب العربية عندما تحدث عن علاقته باليهود واليهود اليوم تحصر باسرائيل عرفا
    الامير وضع الامور بنصابها وعنف بنسيج ناعم من الكلام على البابا صنيعه لكن فهل يصحح رجل الدين هذا سلوكه ويغير من تصريحاته لتكون منسجمه مع العدل وانصاف الناس
    اما علاقة الاخوان بالمسيحيين تاريخية ومعروفة بالود والمحبة حتى في مصر الاخوان والاقباط في تناغم
    ولا تنسا ان الشخص الوحيد الذي خرج بتشيع موسس جماعة الاخوان مكرم عبيد السياسي المسيحي
  • »فشيت قلبي (Raéd A.Haq)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    رائع يا ياسر فشيت قلبي والله بهالحكي صحيح مية المية.
    دائما الاسلامي يجابه اكثر من ان يحاور مع ان الحوار هو ما يتبعه العدو لاقناع الغير بقضيته العنصرية التي تقصي الغير، وفعلا إستطاع العدو بالحوار وامشاركة في كل صغيرة وكبيرة بتلفيق القضية لصالحه، أما نحن نكتفي بالإستقالات أو العزوف عن الحضور ولا أحد يدري عنا.
  • »أمرك غريب ؟؟؟ (مستغرب)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    فعلا موضوعك غريب !!!!
    البابا وجد حسن استقبال وحفاوة في الأردن من كافة الشعب والذي يدين غالبيتة بالإسلام بنسبة 96%،ولو ذهب إالى أكثر البلدان كاثوليكية في العالم لن يجد مثل هذا الاستقبال ؟؟ لا أدري ما هدفك من الغمز واللمز بقناة الاسلاميين (وكلنا طبعا مسلمون) وأنت محسوب عليهم هل المطلوب منهم أن يفترشوا الأرض ليدوس عليهم البابا وحاشيتة !!! ألا يكفي أنهم تعاملوا مع بعض الاساءات بغض النظر مقصودة أو غير مقصودة للاسلام ورموزة بكل عقلانية !!!
  • »متوقع (مواطن)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    الأمور واضحة يا أستاذ ياسر بوش أطلق حملته التي قال أنها بدعم من الله وأن الله يخاطبه وبوش مسيحي والناس تنتظر الجواب وبوش أيضا أطلق حملة الصليب تجاه أطفال غزة والفلسطينيين ولا ننسى أن بوش وأوروبا والجهات الداعمة لاسرائيل كلها مسيحية لذا نتوقع من قدوم الحبر المسيحي أن يواجه بهذه الأسئلة وهي حق مشروع للمسلمين فالأسئلة بحاجة الى أجوبة كما أن جرائم غزة موضوع انساني بحاجة الى دعم من البابا الحبر الأعظم الديني وترى ماذا نتوقع لو كانت جرائم غزة بحق اسرائيليين هل نتوقع سكوت البابا
  • »لننظر دوما إلى الأمام (hassan)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    شكرا لك أستاذ ياسر على الأفكار النيرة التي في مقالك
  • »من الذي يدعو للطائفية (دفاروق الحوارات)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    الأستاذ ياسر ابوهلالة كأنك توجه تهمة اثارة الطائفية للاسلاميين لمجرد انهم اثاروا قضية خطاب البابا االذي اساء فيه للاسلام،فكيف اذا انتقدوا تاريخ الكنيسة والحروب الصليبية ،ثم انت تذكر ان بعض ابناء الكاثوليك انفسهم انتقدوا البابا ايضا؟اذا انتقاد البابا لم يكن من باب الطائفية كما يحاول ان يبين البعض.
  • »الاسلاميون (وائل عيسى)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    أشكر السيد ياسر على ما تفضل به واعلن اندهاشي الشديد بمقالته الرائعة اما وقد كتبت ما كتبت فاني أشكرك على الرغم من امتعاضي من زيارة البابا لعدة أخطاء وقع فيها أهمها زيارته لمسجد الحسين بالحذاء وانا غير مقتنع بموضوع ان احدا لم ينبه لعدد المساجد التي قام بزيارتها، وعند حديثه عن اليهود فكان من الافضل الحديث عن باقي الديانات في العالم بدلا اقتصارها على اليهودية، ولا ننسى ما تم في الاستاد من قبل عريف حفل الصلاة! أشكرك مرة أخرى وأرجو ان يقوم الاخوان بدورهم التنويري المعروف في الحياة العملية بدلا من الانكفاء على انفسهم.
  • »thanks (Dr Haddadin)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    at last you saying something that make sense and let us start to look to the future for the sake of Jordan
  • »احراق تاريخ الشرق المسيحي (ع ح)

    الخميس 14 أيار / مايو 2009.
    لقد وضعت يدك على الجرح وعلينا ان نقر ونعترف اننا نريد السلام ونبحث عن نقاط الالتقاء لا الخلاف وعلينا كذالك ان نقول ان الكنيسه الارثوكسيه قد تعرضت للسطو من قبل البابا والحروب الصليبيه جاءت لاهدم وتدمير الكنيسه الشرقيه والحاقها بروما ان المسيحيين الشرقيين قد عانو ما عاناه المسلميين -- لكن اليوم نريد ان ندفن القديم ونبحث عن السلام