التعليم وإعادة إنتاج التمايز الطبقي

تم نشره في الخميس 14 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

المعنى الاجتماعي للتحول الكبير في مؤسسات التعليم الأردنية أنها أصبحت الوسيلة الرئيسية لإعادة إنتاج وتكريس التمايز الطبقي وعدم المساواة الاجتماعية

شهد الأردن ثورة تعليمية صامتة في العقود الأربعة الماضية، والتي تجلت بالانتشار الواسع للمدارس والجامعات في  مناطق المملكة كافة، وبنسب الالتحاق المرتفعة في كل المستويات التعليمية، وبالالتحاق الواسع للمرأة في التعليم الذي أدّى إلى إغلاق الفجوة بين الجنسين في  المراحل التعليمية كافة بما فيها الجامعية.

ومن المعالم الفارقة لهذه الثورة التعليمية التوسع القوي للمدارس والجامعات الخاصة، إذ تبين الإحصائيات الرسمية للتعليم العام خلال السنة الدراسية 2007/2008 أن القطاع الخاص يمتلك نحو 38 % من أعداد المدارس تستوعب نحو 24% من إجمالي أعداد الطلبة.

ولعل من الأدوار المهمة التي لعبها انتشار التعليم المدرسي والجامعي في الأردن هو مساهمته في إنتاج الطبقة الوسطى من خلال الحراك الاجتماعي والطبقي. فقد مكّن التعليم الجامعي في السبعينات والثمانينات الآلاف من أبناء الريف والبادية والمدن ممارسة الحراك الاجتماعي والانتقال من طبقة إلى طبقة أخرى، كان في أغلبها التحرك نحو الطبقة الوسطى سواء أكان ذلك من خلال الالتحاق بوظيفة في القطاع العام أو الخاص أو العمل في إحدى الدول النفطية. وبهذا، فقد كان التعليم تذكرة للانتقال والحراك الطبقي بامتياز، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل ما يزال التعليم يلعب ذلك الدور؟

إن الجواب المبدئي هو النفي، لكن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك، إذ لم يعد التعليم يلعب هذا الدور، بل أصبح صفة من صفات التمايز الطبقي، مكرساً للتفاوت الطبقي ومعيقاً بدلاً من أن يكون محركا للحراك الطبقي. ومن أهم العوامل التي أدت إلى ذلك هو تعميم التعليم بمراحله المختلفة وتراجع نوعية التعليم في القطاع الحكومي أو العام، والذي يتزامن مع التزايد الكبير في أعداد ونوعية المدارس الخاصة، والتي يتمتع جزء كبير منها بمستوى ونوعية تعليم عالية خاصة تلك التي تعتمد البرامج الدولية وتشمل تدريس اللغات الحديثة في برامجها على الرغم من أقساطها الباهظة، ما جعلها بمتناول فئة معينة من ذوي الدخول المتوسطة والمرتفعة، وأدى بها إلى تمايز بمستوى وطبيعة المهارات التي يتخرج بها الطلبة.

في المقابل، فإن مؤسسات التعليم العالي الخاص، وبالمجمل، لم تستطع أن تميز نفسها عن الجامعات الحكومية، كما حصل بالمدارس الخاصة، مقارنة مع المدارس الحكومية، إلا أنها أيضاً تستقطب الطلبة من ذوي الدخول المرتفعة والمتوسطة.

وعلى صعيد التعليم العالي، فإن نسبة ليست بسيطة من أبناء الطبقة الوسطى والعليا لا يرسلون أبناءهم وبناتهم للجامعات الأردنية، بل إلى جامعات إقليمية وعالمية لضمان جودة التعليم وامتيازاته الخارجية ولضمان تمايزهم عن نظرائهم خريجي الجامعات الأردنية، خاصة فيما يتعلق باللغات وغيرها من المهارات والمكونات الثقافية التي أصبحت ضرورية للعمل في القطاعين الخاص والعام على حد سواء.

بالنتيجة، فإن مؤسسات القطاع العام على المستويين المدرسي والجامعي تتحول تدريجياً لخدمة الطلبة الذين يأتون من أسر دخولها متواضعة أو لأسباب اجتماعية أخرى وبمخرجات تعليمية متواضعة، أما القطاع التعليمي الخاص بشقيه، فإنه أضحى يستقطب الطلبة من ذوى الدخول المتوسطة والعالية بشكل عام.

إن المعنى الاجتماعي لهذا التحول الكبير في مؤسسات التعليم الأردنية أنها أصبحت الوسيلة الرئيسية لإعادة إنتاج وتكريس التمايز الطبقي وعدم المساواة الاجتماعية.

بالطبع، فإن هذا التحول مرتبط بالتحول للقطاع الخاص وتغيير دور الدولة الأردنية. وبما أنه أصبح من الصعب وقف عجلة هذا التغيير، إلا أنه بات من الضروري إصلاح التعليم المدرسي والجامعي في القطاع العام حتى يستعيد دوره التاريخي ووقف نزف التمايز الطبقي.

التعليق