الغائب عن سجال ضريبة الدخل

تم نشره في الخميس 7 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

تعديلات قانون ضريبة الدخل المقترحة ليست مسألة فنية ومالية بحتة كما يتمحور الحوار حولها حتى الآن، بل هناك جوانب سياسية مغفلة من السجال الدائر، فالقضية لا تتعلق برابحين وخاسرين فقط، بل إن الضرائب تمثل صيغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع الآخذ في التشكل منذ سنوات من دون التوصل الى أطر واضحة حتى الآن. 

الجوانب الأخرى تنطلق من مفهوم لا ضرائب من دون تمثيل، وهذا يعني أن القانون الجديد سيمنح البعض مزايا إضافية في حين ستخسر فئة أخرى جراء التعديلات، والحال كذلك من الطبيعي أن يكون هناك معارضة واضحة وعلنية من الأطراف الخاسرة، في حين أن الأطراف المستفيدة لا تسعى الى الظهور علنا والحديث عن تلك الإنجازات؛ وليس من الواضح من الذي يقرر مدى عدالة التعديلات المقترحة.

وقبل مناقشة التعديلات المقترحة بالتفصيل فإن المطلوب هو الإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية: هل الظرف الاقتصادي ملائم لتمرير تعديلات على قانون ضريبة الدخل، وكيف سيؤثر ذلك على  ايرادات الخزينة؟ هل الاردن بحاجة الى تحفيز البنوك من خلال خفض الضريبة على القطاع من 35 الى 25 في المائة؛ وما اثر ذلك على عمليات البنوك وكيف ستؤثر على الأداء الاقتصادي؟ هل نريد تطبيق مبدأ تصاعدية الضريبة المنصوص عليه دستوريا, وكيف ينسجم المشروع الجديد مع ذلك المبدأ؟ هل تم تحديد القطاعات التي نرغب بتحفيزها أو تنشيطها مثل الزراعة، وكيف ستؤثر التعديلات على ذلك؟ هل سيتم  خفض ضريبة المبيعات على بعض السلع التي تستهلكها فئات الدخل المحدود؟

هذه الأسئلة ضرورية لأن مبررات التعديل تنطلق من وجود اختلالات في القانون الحالي، ولكي نتجنب خلق اختلالات جديدة فإن وضع التعديلات في سياق كلي سيساعد على عملية الترويج للقانون الذي من الصعب رفضه بكليته, فهو يحتوي على بعض التفاصيل الايجابية التي تساعد في توحيد الوعاء الضريبي, وتنهي الوضع الملتبس للعديد من الضرائب غير المفهومة أو المبررة. 

والى المطالبين بتصاعدية الضريبة، نذكر أن مبدأ التصاعدية المطبق في الدول الغربية المتقدمة، له متطلبات ديمقراطية ومؤسسية غير متوافرة محليا حتى الآن، فتصاعدية الضرائب سواء على صعيد الدخل أو على المستوى المحلي (المجالس والبلديات)، تقوم على مبدأ تقديم خدمات متميزة للمناطق التي تسكنها الفئات التي تدفع تلك الضرائب، ويظهر هذا من خلال نوعية المدارس، والمرافق الصحية وغيرها من الخدمات العامة، فهل يمكن تطبيق هذا في الحالة الأردنية، وكيف نوفق بين مبدأ إعادة توزيع الدخل من خلال الضرائب وبين تقديم خدمات أفضل لدافعي الضرائب وهل القدرات المؤسسية القائمة تتيح ذلك؟

في الدول ذات الضريبة المتصاعدة فإن هناك تمثيلا سياسيا متوازنا يعكس ثقل أصحاب المصالح في تلك الدول التي نتغنى بنظامها الضريبي عبر وسائل ديمقراطية، وهناك آليات لتحديد أولويات الإنفاق في الموازنة والإشراف عليها وضمان شفافيتها، فهل يمكن أن يستمر نمط الانفاق العام الحالي مع غياب أدوات التأثير في هذا الإنفاق الترفي الذي لا  يتناسب مع وضع الاردن كدولة نامية، وماذا عن الهيئات المستقلة التي تحدد ميزانياتها وحدها، وتقرر تحويل فوائضها لوزارة المالية وبالكاد يطلع مجلس النواب أو ديوان المحاسبة عليها؟ والحال كذلك لا غرابة أن قوانين تلك المؤسسات تتغير حسب أهواء مديري تلك المجالس من دون العودة الى مجلس النواب، وفجأة يصبح من حق رؤساء تلك الهيئات البقاء في "مؤسسته" حتى أجل غير محدود.

قانون ضريبة الدخل هو جزء من كل، والموافقة عليه من عدمها تأتي في إطار إصلاحي متكامل، أما الطريقة المجزأة في تمرير الاصلاحات والتي نتبعها منذ بداية عهد بداية التسعينات فتعني معالجة اختلال لإيجاد آخر مما يجعل الحصيلة شبيهة بنتائج اللعبة الصفرية.

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال أكثر من رائع (خالد السلايمة)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    أخي د إبراهيم

    أبدعت في هذا المقال الرائع و الجريء.

    فأنا أدفع الآلاف من الدنانير من الضرائب و حتى صندوق بريد لي غير متوفر في الحي الذي أسكنه. ناهيك عن الشارع السيء التعبيد عندنا و الإنارة السيئة و غيره من الخدمات التعليمية و الصحية الركيكة. أما عن التمثيل! يا سلام على التمثيل! رئيس الوزراء معين و الوزراء معينون و المحافظون معينون و غيره و غيره معين و أنا علي أن أدفع و أدفع و أظل ساكت! الكثير من الأهل و الأصدقاء لا يريدون العودة إلى الأردن و الكثير يغادر من كثرة الضرائب و يفضلوا العيش في صحراء الخليج و الحر السيء لأن مدخراتهم تشاركهم فيها حكومتنا الرشيدة لو بقوا هنا!