ياسر أبو هلالة

التمويل الإسلامي من الكونجرس إلى الفاتيكان

تم نشره في الخميس 7 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

يصعب رصد عمليات النصب الكبرى التي مورست تحت غطاء "التمويل الإسلامي" . وقد لا يكون آخرها حكايات البورصات الوهمية التي قضت على مدخرات كثير من البسطاء وحولتهم إلى منكوبين. وكان من مستلزمات تلك الشركات وجود " فتوى" أو وكيل طويل اللحية محدود التعليم حتى يقتنع الناس أن استثماراتهم حلال ومباركة. وحتى التجارب الجدية الناجحة للمصارف الإسلامية ظلت في مجملها متخلفة عن ركب المصارف الأخرى.

لم يواجه الإسلام السياسي المسألة الاقتصادية بجرأة وذكاء وواقعية. بل ظل مترددا يحيل الناس إلى إجابات حالمة ملخصها أن اقامة النظام الإسلامي الشامل سيحل مشاكلهم جميعها بما فيها الاقتصاد. ولم يتعبوا أنفسهم بدراسة الاقتصاد الذي يتطور يوميا مكتفين بعموم اللفظ القرآني الذي حرم الربا وفرض الزكاة. وصار المسلمون للخروج من الجدل الشرعي يلجؤون في الغالب إلى الحيل للتخلص من الحرمة. وترك النظام المصرفي العالمي بيد من لا تعنيهم القيم ولا المبادئ الأخلاقية.

 المشكلة أساسا تكمن في فهم الإسلام. فهو دين يؤسس في النفس قيما تحكم الحياة وقواعد أخلاقية تضبط المجتمع ويطلق العنان للتطور الإنساني في مختلف العلوم. مشكلة من نادوا بالبديل الإسلامي أنهم دخلوا في متاهة أسلمة تفاصيل الحياة وكأن الناس قد دخلوا الإسلام اليوم . فنشأ المستشفى الإسلامي والمدرسة الإسلامية والمصرف الإسلامي و.. لم يبق إلا الحديقة الإسلامية !

مع الأزمة الاقتصادية العالمية اكتشف الآخرون البديل الإسلامي، وبعد دعوة الفاتيكان إلى الاستفادة من البديل الإسلامي صدرت دراسة عن "خدمة أبحاث الكونجرس" وهي الذراع البحثية للكونجرس تشيد بالبنوك الإسلامية لكونها "أكثر صلابة في مواجهة التراجع الاقتصادي العالمي والأزمة المالية الدولية مقارنة بالبنوك التقليدية"، وأشارت الدراسة إلى اعتقاد كثير من المراقبين بأن "التمويل الإسلامي يمثل عجلة للتعافي من الأزمة المالية الدولية"، كما توقعت الدراسة بأن "تعزز صناعة البنوك الإسلامية مكانتها في السوق الدولي في ظل بحث المستثمرين والشركات عن مصادر بديلة للتمويل" خلال الأزمة الراهنة وفي المستقبل.

 ويقول الباحث في الشؤون الأميركية علاء بيومي أن الدراسة سعت إلى "توعية أعضاء الكونجرس بطبيعة التمويل الإسلامي، وبحجم نموه دوليا خلال السنوات الأخيرة، وبانتشاره في الأسواق الأوروبية والأميركية، وببعض المخاوف السياسية التي تثار حوله ليس بسبب طبيعته الاقتصادية ولكن بسبب "الأفكار النمطية السلبية" المنتشرة عن التمويل الإسلامي لدى معارض التمويل الإسلامي في أميركا والدول الغربية".

 قبل الدراسة الأميركية دعت صحيفة الفاتيكان الرسمية المعروفة باسم "أوبسيرفاتوري رومانو" إلى الاستفادة من البديل الإسلامي. وقال المقال المنشور في مجلة "لي أوبسيرفاتوري رومانو" بشأن المصرفية الإسلامية، وهي المجلة شبه الرسمية التي تمثل البابا، وتصدر بصفة أسبوعية، وتغطي نشاطات البابا، وتنشر فيها المقالات التي يحررها كبار رجال الكنيسة الكاثوليكية، بالإضافة إلى الوثائق الرسمية بعد صدورها من الفاتيكان: "وإذا قارنا الأزمة الحالية مع أزمة سنة 1929م لوجدنا ان حجماً هائلاً من السيولة الفائضة موجود لدينا اليوم ولكنه مصاب بالجمود، ولا بد من إرجاعه إلى النشاط وليس أفضل لتحقيق هذه المهمة من إصدار الصكوك. وكذلك الحال بالنسبة للمبادئ الأخلاقية التي تمثل قاعدة للتمويل الإسلامي فإنها قادرة على جعل البنوك قريبة من عملائها، وقريبة إلى الروح الحقيقية للمؤسسة الخدمية، والتي يجب أن تكون السمة الأساسية للعمل البنكي".

 وفي فهم ذكي للمبادئ الإسلامية تقول الصحيفة "وبناء عليه فقد سعى المسلمون في مجال المالية إلى تجنب صناديق الاستثمار البديلة وأسهم الامتياز لأنها جميعاً تؤدي إلى تولد النقود من النقود بصفة صورية". وتضيف: "ان النقود وسيلة وأداة لتحقيق الإنتاج الحقيقي، هذا مطبق في السندات الإسلامية التي تسمى الصكوك. ان الصكوك مربوطة دائماً بالاستثمار الحقيقي، لتمول، على سبيل المثال، نفقات شق طريق أو إنشاء مبنى ولا تستخدم أبداً لغرض المقامرة وما شابه ذلك".

وتخلص الصحيفة إلى القول: "نحن نعتقد ان النظام المالي الإسلامي قادر على المساهمة في إعادة تشكيل قواعد النظام المالي الغربي، ونحن نرى اننا نواجه أزمة مالية، لا تقتصر على مسألة شح السيولة لكنها تعاني من أزمة انهيار الثقة بالنظام ذاته. يحتاج النظام المصرفي العالمي إلى أدوات تمكن من إرجاع القيم الأخلاقية إلى مركز الاهتمام مرة أخرى، أدوات تمكن من تعزيز السيولة وكذلك إعادة بناء سمعة نموذج نظام رأسمالي ثبت فشله".

أمام دعوة الكونجرس والفاتيكان تغدو الكرة في مرمى رجال الأعمال المسلمين لتقديم نماذج عملية لأداء اقتصادي يقوم على القيم والمبادئ. وهو ما يسهم في إنقاذ بلدانهم وإنقاذ البشرية. وبموازاة ذلك نحتاج إلى جهد فكري من الخبراء والمفكرين وعلماء الاقتصاد والشريعة لتقديم البدائل النظرية.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المكتبات (marah)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    نعم سيدي الإفتاء أصبح يفتقد للمصداقية هذه الأيام
    و هي أجت على هيك مثلا تعليقا على كلامك عن دائرة المكتبات فأنا أخبرك تعال و شوف النظام الذي أحدثه حاتم الهملان و مع هيك إحتمال ما يظل بمنصبه علما أن أحد المتقدمين للمنصب ليس ضمن الشروط و مع هيك مشوها علما أن التطور الكبير الذي أحدثه حاتم الهملان غير مسبوق في مجال المكتبات ....! و الواحد لازم يتأكد قبل ما يحكم و الله كبير
  • »" إن الله " حديث شريف (سامي عوده)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    قال رسول الله " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس بل يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى عالم " يعني قل العلماء " اتخذا الناس رؤساء جهالا فسألوهم فضلوا و أضلوا " اللهم أجرنا من هوى انفسنا الله قنا شرور أنفسنا و اعزم لنا على ارشد امرنا و اغفر لنا
  • »فوز البنك الاسلامي الاردني (sabah)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    وقبل ايام نقرا عن مجلة اقتصادية بريطانية تمنح البنك الاسلامي التفوق بناءا على الارباح والثقة وياما اكل البنك الاسمي جلدا وسخرية من زبونه احيانا و غيرهم بسبب سلبيات بعض من الموظفين ولكن قوة النظام وفلسفته الصحيحة ساعدتة علي اثبات انه هو البديل
  • »تعليق (محمد)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    النظام الاقتصادي الاسلامي مزيج من لاشتراكية والراسمالية قبل وجود مبادئ الاشتراكيو الراسمالية الحديثة سبحان الله وسط في كل شيء من غير غلو ولا تطرف لا شمال ولا يمين
  • »مفتيين للايجار (محمد مومني)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    الشركات الوهمية التي اشار اليها الكاتب لم تعتمد على وكلاء لحاهم طويلة محددودي التعليم كما ذكر بل ان اولئك الوكلاء كانوا ممن يحملون شهادات الدكتوراة في الشريعة وتولوا اعلى مناصب الافتاء لكنهم باعوا دينهم وخدعوا الناس مقابل راتب شهري قدره بضعة الاف من الدنانير فلنسمي الاشياء باسمائها
  • »عظمة الاسلام ... (محمد البطاينة)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    امام المباديء العظيمة التي بني عليها الاسلام والقواعد العملية والاخذ باسباب التقدم الذي هو جوهر الفقه الاسلامي نجد المسلمين متشككين في عظمة دينهم بينما الغرب يسعى - بحسب حسه البراغماتي- للاستفاده من مباديء الاسلام العظيم ... نجد هناك محاولات وافكار للاستفادة ونجد هنا عجزا وخورا غير مبرر بل نجد محاربة لمباديء الاسلام تحت عناوين شتى وبطرق مختلفه....
  • »لنصنع أبرة أولاً (سوسن الشهور)

    الخميس 7 أيار / مايو 2009.
    الحقيقة أن المصارف الاسلامية تعمل في مناطق أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها غير منتجة وتولد أموالها من ثروات طبيعية يتم استخراجها بتقنيات غربية. ليس هناك دليل على أن البنوك الاسلامية يمكن أن تنجح في اقتصاديات منتجة وخلاقة مثل تلك التي في الغرب. الأزمة المالية العالمية لها علاقة بالأدوات المالية المعقدة الجديدة التي دخلت البنوك في الغرب، وخصوصاً في أمريكا، والتي لا تحكمها قوانين وأسقف كافية، وليس المفهوم العام لتلك البنوك وأدواتها التقليدية. ومعظم هذه الأدوات المالية يتم تداولها في البنوك الاستثمارية وليس التجارية. كما أن فائض أموال النمو الاقتصادي في الاقتصاديات الناشئة واقتصاديات النفط وجدت طريقها إلى تلك الأدوات وإلى تلك البنوك بسبب عدم قدرة البنوك والاقتصاديات المحلية على استيعابها. بالمختصر، علينا أن نتعلم كيف نصنع الابرة ونصدرها قبل أن ان نصدر نظام بنكي اسلامي إلى العالم. نتمنى أن لا يكون غزل البعض في الفاتيكان للنظام البنكي الاسلامي مدخل لايجاد نظام بنكي مسيحي وقد يلحقه نظام بنكي يهودي وبوذي وهندوسي...