عودة الواقعية الأميركية

تم نشره في الأحد 3 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

 هناك العديد من المناقشات المتكررة في السياسية الخارجية الأميركية، على سبيل المثال، الانعزالية في مقابل الدولية، والأحادية في مقابل التعددية. ولكن المناقشة الأكثر إلحاحاً هي تلك الدائرة بين هؤلاء الذين يعتقدون أن الغرض الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية لابد أن يدور حول التأثير في السلوك الخارجي للدول الأخرى وهؤلاء الذين يرون أن ذلك الغرض لابد أن يدور حول تشكيل الطبيعة الداخلية لهذه الدول.

الواقع أن النقاش بين "الواقعيين" و"المثاليين" حاد وقديم. فأثناء الحرب الباردة هناك من زعموا أن الولايات المتحدة لا بد وأن تحاول ردع الاتحاد السوفييتي، وإسقاط النظام الشيوعي، ووضع الرأسمالية الديمقراطية في محله. غير أن آخرين رأوا في هذا خطراً عظيماً في منطقة تعج بالأسلحة النووية، واختارت الولايات المتحدة بدلاً من ذلك سياسة الاحتواء، التي عملت بموجبها على الحد من نفوذ القوة السوفييتية ومدى انتشارها. وكما تبين بعد أربعين عاماً من الاحتواء، فقد تفكك الاتحاد السوفييتي، وإن كانت هذه النتيجة قد تأتت كمنتج ثانوي لسياسة الولايات المتحدة، وليس لغرضها الأساسي.

كان جورج دبليو بوش آخر "المثاليين" الداعين إلى جعل الترويج للديمقراطية أولوية رئيسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولقد اعتنق بوش ما أطلِق عليه نظرية "السلام الديمقراطي"، التي تفترض أن الأنظمة الديمقراطية لا تعامل مواطنيها على نحو أفضل فحسب، بل إنها تتصرف أيضاً على نحو أفضل حين تتعامل مع جيرانها.

وبالطبع كان والده، جورج بوش الأب، ممثلاً قوياً للتوجه البديل، أو التوجه "الواقعي" في التعامل مع السياسة الخارجية الأميركية.

إن القدر الأعظم من هذه المناقشة يمكن النظر إليه من خلال عدسة التورط الأميركي في العراق. فقد ذهب جورج دبليو بوش إلى الحرب في العراق في عام 2003 بهدف تغيير الحكومة العراقية. وكان يتصور أن تغيير النظام في بغداد من شأنه أن يقود إلى تأسيس نظام ديمقراطي في العراق، وهو التطور الذي سيؤدي بدوره إلى تحول الأنظمة في المنطقة بالكامل حين ترى الشعوب في أماكن أخرى من العالم العربي هذا المثال فتسارع إلى إرغام حكوماتها على الاقتداء به.

على النقيض من ذلك، وفي حرب العراق الأولى، سوف نجد أن الرئيس بوش الأب، بعد حشده للتحالف الدولي غير المسبوق الذي نجح في تحرير الكويت، لم يشق طريقه إلى بغداد لإسقاط صدّام حسين وحكومته، رغم إلحاح العديد من الناس عليه بأن يفعل ذلك.

كما لم يتدخل لصالح الانتفاضتين الشيعية والكردية اللتين تفجرتا في أعقاب نهاية الحرب في عام 1991. ذلك أن التدخل كان يعني في نظره وضع جنود الولايات المتحدة في وسط صراع محلي معقد، وهو الصراع الذي كان ليتكلف قدراً هائلاً من الموارد لتسويته إن كان من الممكن تسويته على الإطلاق.

ويبدو أن الرئيس باراك أوباما يتفق مع هذا التوجه الواقعي. فسياسة الولايات المتحدة الجديدة في التعامل مع أفغانستان لا تتطرق إلى محاولة تحويل البلاد إلى النظام الديمقراطي. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماماً، كما يتبين لنا من تأكيدات وزير الدفاع روبرت جيتس أمام الكونجرس الأميركي في شهر كانون الثاني (يناير) حين قال: "إذا وضعنا نصب أعيننا هدف إنشاء فردوسٍ من نوع ما في آسيا الوسطى فلسوف نخسر لا محالة".

ومن جانبه قال أوباما في شهر آذار (مارس) "لدينا هدف واضح ومركز: وهو يتلخص في تعطيل وتفكيك وإلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان، ومنع عودته إلى أي من البلدين في المستقبل".

وهذا التحول واضح أيضاً في سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع الصين. ففي أحاديثها أثناء الرحلة التي قامت بها إلى آسيا في شهر شباط (فبراير) أوضحت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بما لا يدع مجالاً للشك أن قضية حقوق الإنسان سوف تشكل هماً ثانوياً في العلاقات الأميركية الصينية.

وعلى نحو مماثل، سنجد أن البيان المشترك الصادر عن أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في أعقاب اجتماعهما في الأول من نيسان (إبريل) في لندن، ورغم ذكره للاستناد إلى حكم القانون واحترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والتسامح مع الاختلاف في وجهات النظر، إلا أنه ركز بدرجة أعظم على الحد من الأسلحة النووية، والتصدي للبرنامج النووي الإيراني، وتحقيق الاستقرار في أفغانستان. وكان دعم الولايات المتحدة لانضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية بلا قيد أو شرط.

إن هذا التغير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة مرغوب وضروري. والأنظمة الديمقراطية الناضجة تميل إلى التصرف على نحو أكثر تقديراً للمسؤولية، أما الأنظمة الديمقراطية غير الناضجة فمن الممكن أن تستسلم بسهولة للنزعات الشعوبية والقومية.

ولا شك أن بناء ديمقراطيات ناضجة أمر صعب ويتطلب وقتاً طويلاً. وفي حين تعمل الولايات المتحدة على تشجيع حكم القانون ونمو المجتمع المدني، فلسوف يكون لزاماً عليها أن تتعامل مع حكومات أخرى، سواء كانت ديمقراطية أو غير ديمقراطية. ذلك أن المشاكل الملحة، مثل الأزمة المالية والانتشار النووي وتغير المناخ، لن تنتظر أحداً.

النبأ الطيب هنا هو أن التاريخ يؤكد إمكانية التعامل مع الأنظمة غير الديمقراطية والتعايش معها. فقد أقامت إسرائيل على سبيل المثال علاقات مع أنظمة غير ديمقراطية في مصر والأردن لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان. كما تعاونت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي بأشكال محدودة (في السيطرة على الأسلحة النووية على سبيل المثال) على الرغم من الخلافات الجوهرية بين الدولتين.

واليوم تقيم الولايات المتحدة والصين الاستبدادية علاقات منفعة تجارية ومالية مشتركة، كما أظهرتا في عدة مناسبات قدرتهما على العمل معاً فيما يتصل بقضايا استراتيجية (في صياغة سلوك كوريا الشمالية على سبيل المثال).

هذا لا يعني أن الترويج للديمقراطية لن يلعب دوراً في السياسة الخارجية الأميركية. ولكن الترويج للديمقراطية قضية غير يقينية إلى حد كبير، والعالم مكان أشد خطراً من أن يسمح للترويج للديمقراطية باحتلال مركز الصدارة في الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. وعلى هذا فإن السياسة الخارجية التي سوف ينتهجها باراك أوباما، سوف تكون شبيهة بسياسة جورج بوش، الأب بالطبع وليس الابن.

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب "حرب ضرورة وحرب اختيار: سيرة حربين عراقيتين".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق