"حقيبة عمر سليمان" مليئة بالمهمات الداخلية والخارجية

تم نشره في الأحد 3 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

ذو مظهر ملوكي وجذاب وشخص قوي جدا، يتحدث بتمهل شديد، ولكن بشكل واضح. حديثه دائما متزن ومترابط ويترك انطباعا قويا لسامعيه، ولكنه صريح الى ابعد الحدود في عالم مليء بالظلال، ويتحدث بعقلانية شديدة وبعيدا عن العواطف ولا يحب الخطابة إطلاقا ويكره الثرثرة وكثرة الكلام. له نظرة ثاقبة وقوية ومؤثرة تدل على شخصية ملوكية واثقة من نفسها الى حد الاعتزاز وان كانت سمتها الوقار والتواضع والثقة بالنفس.

لا يحب الأضواء أبدا ولكنه لا يكره الإعلام ولا يعادي الصحافيين، وان كان لا يسعى للتقرب منهم  ويبقي مسافة بينه وبين الصحافيين ويؤمن بوجود شعرة معاوية معهم من دون الاضطرار إلى قطعها. يحب العمل بهدوء وخاصة انه يتولى الملفات الساخنة داخليا وخارجيا.

قدم اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية وهو في التاسعة عشرة من عمره من جنوب مصر من مدينة قنا الى القاهرة والتحق العام 1954، بعد الثورة المصرية التي قادها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رحمه الله، بالكلية الحربية للجيش المصري وتخرج منها وكان تلميذا عسكريا بارزا في الكلية الحربية، قبل ان يلتحق بالعمل في وحدات الجيش المصري في مناطق مختلفة من مصر.

قاتل في حرب اليمن وحرب حزيران 1967 وأكتوبر 1973. ولأنه كان من الضباط اللامعين في الجيش المصري فقد وقع عليه الاختيار من قبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لإرساله ضمن القوات المصرية التي أرسلت للقتال الى جانب الجمهوريين في الحرب اليمنية وفي مواجهة تدخلات إقليمية لبعض الدول في المنطقة وقاتل مع القوات المصرية في الحرب اليمنية بالرغم من دمويتها وشراستها، وفي ظل الحرب الباردة التي كانت في أوج اشتعالها. وعاد سليمان إلى مصر بانتصار الثورة اليمنية واتفاقية المصالحة بين الإطراف المختلفة.

لبى نداء الواجب الوطني والقومي بالدفاع عن مصر وفلسطين وسورية وانخرط مقاتلا في حرب 1967 واستبسل بالدفاع عن مصر وعن فلسطين وان كانت الهزيمة 1967 قد أصابت سليمان بسخط وحزن شديد لما آلت إليه الحرب والنكسة للعرب واحتلال أراضيهم.

وشارك كضابط مقاتل في الجيش المصري في صنع الانتصار المجيد في حرب أكتوبر عام 1973 ونال أوسمة عسكرية رفيعة على انضباطه وشجاعته وإخلاصه لمصر وتفانيه لأجلها.

سليمان في الاتحاد السوفييتي

قبل حرب عام 1973 وبعد نكسة عام 1967 وبعد ان نفّذ الراحل جمال عبد الناصر خطته في إعادة تسليح الجيش المصري ورفع كفاءته وإعداده للحرب المقبلة مع إسرائيل وفي غمرة حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري والفدائيون مع القوات الإسرائيلية أوفد الزعيم الراحل عبد الناصر سليمان ومجموعة من الضباط المصريين إلى كلية فبرونزيه العسكرية بالاتحاد السوفييتي وهي الكلية المتخصصة بإعداد قادة العمليات العسكرية والحروب والتخطيط. وتخرج اللواء منها بتفوق واضح وحاز على شهادة عليا في العلوم العسكرية.

بعد ذلك تولى مناصب عسكرية كثيرة حيث رفع لرتبة لواء عام 1984 وكان قائد فرقة عسكرية ثم أصبح قائد منطقة عسكرية ثم أصبح نائبا لمدير الاستخبارات الحربية ثم مديرا للاستخبارات الحربية.

سليمان رجل السياسة أيضاً

ولأنه كان رجلا شغوفا بالعلم والثقافة، فقد التحق بالدراسة في جامعة عين شمس وجامعة القاهرة وحصل على ليسانس وماجستير في العلوم السياسية، وفي الثمانينات عمل كمحلل عسكري استراتيجي سواء لأزمات المنطقة او خارجها وعمل كمحلل سياسي وساعده في ذلك خلفيته وخبرته العسكرية الكبيرة ودراسته للعلوم السياسية في الجامعات المصرية مع قوة شخصية واضحة وذكاء حاد.

سليمان، حماس والشيخ ياسين

عندما تولى اللواء سليمان العام 1993 ادارة المخابرات المصرية كلفه الرئيس حسني مبارك، وسليمان دائما موقع ثقته المطلقة، بادارة الملف الفلسطيني. وحينما كانت توصف حركة حماس بالإرهاب من اميركا وإسرائيل كان اللواء عمر سليمان يجري مباحثات مع قادة حماس، وفي طليعتهم القائد الشيخ احمد ياسين وآخرون، وايضا مع قادة الفصائل الفلسطينية الأخرى، وذلك لترتيب الأوضاع الداخلية الفلسطينية، لمنع الانشقاقات الداخلية.

لاحقاً تولى دور المحاور والوسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وساهم من خلال الجهود المصرية في دعم الرئيس الراحل ابو عمار والتوصل لاتفاقية أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، ثم تنقل بين رام الله وتل ابيب وغزة ليكون رجل الإطفاء الذي استطاع ان يمنع اشتعال كثير من الأزمات الخطيرة في المنطقة، ويمنع في كثير من الأحيان قتال الأشقاء الأعداء.

كان داعما للإصلاحات الفلسطينية الداخلية السياسية والأمنية في عهد الرئيس الراحل ابو عمار، وحاول جاهدا التوصل الى اتفاقية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن لم ينجح في ذلك بسبب تعقيدات القضية الفلسطينية.

دعمت مصر وصول الرئيس الفلسطيني ابو مازن للسلطة ودعمت تشكيل حكومة فلسطينية وساندت الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وساهم اللواء عمر سليمان وبشكل واضح وباعتراف الجميع في التوصل لاتفاق بين فتح وحماس، وشكلت الحكومة الفلسطينية ببصمات واضحة للواء عمر سليمان. كما استطاع التوصل لاتفاقية هدنة بين الاسرائيليين والفلسطينيين.

تنقل اللواء مجددا بين رام الله وغزة وتل أبيب في محاولات عديدة لرأب الصدع وعودة الوحدة الفلسطينية والتوصل إلى تجديد اتفاقية الهدنة مع إسرائيل. ذلك في وقت أصبحت بنادق غير فلسطينية في الساحة الفلسطينية وتراجع شعار القرار الوطني الفلسطيني المستقل الذي قاتل واستشهد الزعيم الراحل ياسر عرفات لأجله، فلم تعد الاعتبارات فلسطينية، إنما ذات ارتباطات لدول إقليمية في المنطقة وخارجها لها اجندتها الخاصة بعيدا عن مصالح الشعب الفلسطيني.

عمل بتكليف من الرئيس المصري حسني مبارك ومع وزير الخارجية ابو الغيط لوقف العدوان الاسرائيلي على غزة وفتح معبر رفح لمساعدة الشعب الفلسطيني، وكان دور وجهود الرئيس المصري حسني مبارك واضحا في وقف العدوان الاسرائيلي، وفي وصول المساعدات المصرية الرسمية والشعبية والدولية لغزة، وفي نجاح مؤتمر شرم الشيخ لإعادة أعمار غزة.

ولأن قضية فلسطين لها أولوية لدى دولة مصر وقيادتها، فقد واصل اللواء عمر سليمان جهوده لاحقا في محاولة للتوصل لانهاء الخلاف بين حماس وفتح، ورعى الحوار الفلسطيني في القاهرة وذهب الى واشنطن واجرى مباحثات مع الاميركيين.

هناك (في واشنطن) حاول ايجاد صيغة مقبولة للشروط الأميركية والدولية حول تشكيل الحكومة الفلسطينية المقبلة وشروط اعادة اعمار غزة، وأن تكون الحكومة الفلسطينية المقبلة مقبولة دوليا وأميركيا، وأن لا يعود الوضع كما السابق وأن لا تكون حكومة محاصرة في غزة، وأن تقبل هذه الحكومة التزامات السلطة الوطنية الفلسطينية الدولية ودور اللجنة الرباعية والاعتراف المتبادل مع اسرائيل، ثم حل إشكالية القوى الامنية الفلسطينية، والانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، وموضوع صفقة الاسرى مع اسرائيل.

وتطرق سليمان، في واشنطن، الى وجود حكومة يمينية متطرفة في اسرائيل وعرقلة اسرائيل لاستئناف مفاوضات انابوليس في المنطقة ورفضها حل الدولتين كشرط أساسي لحل القضية الفلسطينية.

اللواء سليمان وقضية دارفور

حمل اللواء سليمان الى واشنطن، أيضاً، غضب وقلق مصر في ما يتعلق بموضوع دارفور واتهام الرئيس البشير.

ولأن اميركا ترفض اللجوء للمادة 16 من اتفاقية روما لوقف ملاحقة الرئيس البشير وتعتبر قرار الاتهام سيفا مصلتا على رأس البشير والسودان، فقد نجح اللواء سليمان بإقناع الأميركيين بإعطاء مهلة كافية للرئيس السوداني والسودان للقيام بإصلاحات سياسية داخلية واجراء انتخابات تشريعية فيها، ومواصلة الحوار مع حركة العدل والمساواة المعارضة، وملاحقة مجرمي الحرب بدارفور عبر المحاكم السودانية واستقبال الخرطوم لمسؤولين اميركان لفتح حوار حول العلاقات السودانية الاميركية وحول دارفور.

داخليا كان للمخابرات المصرية وهي الاقوى والاكثر مهابة وتنظيما في المنطقة دور في الداخل المصري حيث نجح اللواء عمر سليمان في محاربة التجسس الاسرائيلي في مصر، وساهم في القضاء على الحركات الارهابية داخل مصر، والتي كانت تستهدف الامن القومي المصري وساهم في إعلان توبة القادة التكفيريين في السجون المصرية، وعودتهم عن أفكارهم التكفيرية واندماجهم بالمجتمع المصري. حمى بأعماله الأمن القومي المصري والاقتصاد المصري والشعب المصري وضيوفه.

يقر المصرين وبالإجماع، وبالرغم من اختلاف انتماءاتهم السياسية وحتى رجل الشارع العادي بوطنية ونزاهة وإخلاص اللواء عمر سليمان.

* أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النتائج تثبت عكس ذلك (احمد)

    الأحد 3 أيار / مايو 2009.
    لا أعلم سر تلميع ومديح عمر سليمان من قبل الكاتب...يعني الحقائق ترى بالعيون وبالنتائج والواقع على الارض يتكلم عكس ما ذهب اليه الكاتب..فكل الملفات التي يتسلمها عمر سليمان مصيرها الفشل وراوح مكانك من فلسطين للسودان وغيرها من الملفات الاقليمية...لماذا ؟؟ هنا السؤال.؟
  • »ماذا حقق عمر سليمان؟ (ابراهيم الراشدي)

    الأحد 3 أيار / مايو 2009.
    سيرة ذاتية ممتازة وضعها الكاتب الكريم . الا ان السؤال المهم
    ماذا حقق عمر سليمان على ارض الواقع لا شيىء يذكر فجميع الملفات الفلسطينية التي عمل عليها مكانك راوح. بل ربما زادت صعوبة بالانحياز المصري الواضح لابو مازن الذي تريده اسرائيل على راس السلطة الفلسطينيه الوهميه. لتقديم مزيدا من التنازلات عن الحقوق الفلسطينية وامعانا بحرف اتجاه القضية عن مسارها المنطقي.