إبراهيم غرايبة

المسؤولية المجتمعية للمؤسسات

تم نشره في الخميس 30 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 

أصبحت المسؤولية المجتمعية للمؤسسات قضية ذات أولوية كبرى لاعتبارات كثيرة؛ تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدمية التي صحبتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان ينظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات، وإن كانت في كثير من الأحيان تحقق إيرادات وأرباحا طائلة.

وكان متوقعا مع تحول هذه المؤسسات إلى الملكية الخاصة وإعادة تنظيمها وإدارتها على هذا الأساس أن يتوقف دورها الاجتماعي، ولكن التطبيق العملي لتجارب الخصخصة أظهر أن الدور الاجتماعي والالتزام الأخلاقي للشركات هو أيضا استثمار يعود عليها بزيادة الربح والإنتاج وتقليل النزاعات والاختلافات بين الإدارة وبين العاملين فيها والمجتمعات التي تتعامل معها، ويزيد أيضا انتماء العاملين والمستفيدين إلى هذه الشركات.

إن كثيرا من قادة وأصحاب الشركات يرغبون في المشاركة الاجتماعية، وينظرون إلى العملية الاقتصادية على أنها نشاط اجتماعي ووطني وإنساني يهدف فيما يهدف إليه إلى التنمية والمشاركة في العمل العام، وليس عمليات معزولة عن أهداف المجتمعات والدول وتطلعاتها، لأسباب وطنية واقتصادية أيضا، فالمسؤولية المجتمعية تبني حالة ثقة تشكل في المرحلة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة القوة الرئيسية المحركة للاقتصاد والمجتمعات، بل إنها مرحلة يمكن اعتبارها بامتياز مرحلة  اقتصاد ومجتمعات الثقة، ولا يمكن بناء هذه الثقة من دون التزام المؤسسات بالمسؤولية المجتمعية.

لدينا في الأردن بخاصة وينطبق هذا على كثير من الدول العربية والنامية حالة تستدعي استنفار جميع المؤسسات لإصلاحها ومواجهتها، وهي ضعف المجتمعات وغيابها تقريبا عن العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية في البلد وفي العالم، ومن شأن ذلك أن يضعف الاستثمار والتنافس والرقابة على المؤسسات ويوازن النفوذ والضغوط بين القوى الاقتصادية والاجتماعية المشكلة للحياة السياسية والاقتصادية، وهي: الحكومة والشركات والمجتمع، فتظهر تقارير دائرة الاحصاءات العامة أن الوظائف المستحدثة في آخر فترة شملتها دراسات الدائرة (2007) أن هذه الوظائف تتوزع بين القطاع الخاص (حوالي الثلثين) والحكومة (حوالي الثلث) وأن الوظائف المستحدثة في القطاعات والمؤسسات التابعة للمجتمع لا تتجاوز 1%، ولا شك أن ذلك يؤدي على خلل كبير، وسوف يضعف مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة والشركات، ويضعف قدرة المجتمعات على التأثير والتفاعل، وحماية نفسها من آثار الخصخصة.

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المسؤولية المجتمعية للمؤسسات هو المشروعات الخيرية والاجتماعية وتقديم التبرعات وبخاصة المباشرة للفقراء مثل الحقائب المدرسية والأغطية والأطعمة، وأكاد أقول إنه منهج يضر أكثر مما ينفع، بل إنه يزيد الفقراء فقرا ومهانة، ويزيد المجتمعات عزلة وبؤسا، ويزيد الأغنياء والنخب مزيدا من الفوقية والاستعلاء والهيمنة، ذلك أن آخر ما تحتاج إليه المجتمعات هو التبرعات والأعطيات، ولكنها بوضوح وبساطة تحتاج إلى أن تملك القوة والتأثير لتكون قوة ثالثة في الدولة تساوي أو تنافس القطاع العام والقطاع الخاص، وأن تملك من الموارد والمؤسسات والأدوات ما يجعلها قاردة على حماية مصالحها وتطوير الخدمات والسلع التي تحصل عليها من الحكومة والشركات.

وتحتاج المجتمعات إلى بناء شراكات واستثمارات ربحية وغير ربحية مع الحكومة والقطاع الخاص في المجالات والخدمات نفسها التي تقدمها الحكومة والشركات مثل التعليم والصحة والغذاء والثقافة والفنون والرياضة والإعلام المحلي والمجالات التجارية والاستثمارية أيضا.

وتحتاج أيضا إلى بناء وعي للذات تدرك المجتمعات على أساسه احتياجاتها وأولوياتها وتكون قادرة على تحسين حياتها وخدماتها في الصحة والتعليم والسكن والغذاء واللباس والانتماء والمشاركة.

وعلى المستوى التشريعي والحكومي فإن المجتمعات تحتاج إلى بناء منظومة للحكم المحلي والإدارة الذاتية على مستوى المدن والأحياء تكون قادرة على اتخاذ قراراتها وتنظيم الناس وفق الاحتياجات والخدمات الأساسية، وقادرة أيضا على توفير أفضل الخدمات والاحتياجات.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق