زليخة أبوريشة

صفة العالِم

تم نشره في الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

.. وكيف يكون العالِمُ عالِما، وقد حفظ ما في الكتب، ولم يناقشها، وسار على خطى الأقدمين في المْيز والحُكْم والذَّوْقِ والصورةِ والكلامِ المستعارِ الجاهزِ الموزون؟ بينما هو لم يحرِّر في نفسه صنما واحدا من تلك الأصنام الموروثة التي عبدها في مطلع حياته، أو عبدها سواه كل حياته؟

أعني تلك الأصنام الثابتة في مساحة العقل عن أن يتصدّى لفكرة فيقلّبها على مختلف وجوهها، أو قيمةٍ يعرّضها للتجربة او للاختلاف, او حكم قاسوا عليه فقاس؟

كيف يكون العالمُ عالما وهو ينكر على تلامذته اختلافهم/هنّ عنه أو أخذهم/هن بمنهج آخر، أو تحررهم/هن من جاهز الأفكار ومعبَّد الطرق؟

كيف يكون العالِم عالِما وقد خلا رأسه من تصوّر الاختلاف وروحه من هاجس التغيير والتطوير في الشأن الذي ظنّ أنه يتخصص فيه، وقلبَه من تقدير التفرد والإعجاب به؟

كيف يكون العالِم عالِما، وهو يتصور العلم بحثا في الكتب وعلى منهج القدماء لا غير، والشعرَ شعرا إذا كان على أوزان الخليل؟ واللغة لغةً إذا لم تغادر إيقاع الجاحظ أو بلاغة الحجاج، أو صاحب الوزارتين؟

 كيف يكون العالم عالما إذا كانت حجته في علمه إغلاق الاجتهاد اللغوي والإبداعي، وتعطيل اقتراحات العقل الإنساني والمخيلة البشرية لتطويع اللغة والفنون والآداب والشعر لمراقٍ جديدة، ومغامرات رحبة؟ وكيف يكون العالم عالما وهو يرى أن اللغة هي ما ورثناه، لا ما تمليه علينا حاجاتنا الجديدة وحساسيتنا الجديدة؟

وكيف يكون العالم عالِما وظنُّه في المرأة لا يتعدّى دورها زوجة وأما (في العلن)، وعشيقة (في السرّ)؟ ولديه موقف صلف من نداءات النساء المستميتة لرفع وصايته هو وأمثاله -تحديدا- عن مصائرهن؟

وكيف يكون العالم عالما وهو يتخذ الكذب والخديعة والتمثيل حلية يتجمل بها، وبها يبرهن حياته، مثلما زاده من التواضع ضَحْلٌ؟

كيف يكون العالم عالما وهو يقيس بمسطرتين أو ثلاث -حسب المناسبة- ويكيل بمكيالين أو عشرة -حسب الظروف-؟

وهو يضن بماله ووقته وجهده وعواطفه، ولديه اهواء ومغامرات وحياة ذات ظلال وعتمات؟

 كيف نسميه عالما ذاك الذي محفوظه في الذاكرة هو حصيلة كل ما علم وعلّم؟ به يبهر الناس، وبه يختال؟ وإذا فحصت ما كتب ونشر- باستثناء الأطروحة- لم تجد/ ي إضافة ولا ألقا ولا إرثا ذا شأن؟

كيف يكون العالم عالما وهو يعتمد -في الأساس- على جاذبيته الشخصية (الكاريزما) كذخيرة تفتح له أبواب المناصب والقصور، وأبواب النساء؟

 ***

ألا إن العالِم عقلٌ مغامرٌ، وروح جبارة، وقلب كبير شجاع... ألا إن العالم بخلقه أولا، بورعه العلمي، بميزان العدل في روحه، بتقواه في حق الآخر... بكرامته مصونةً وكرامة الآخر والأخرى... بفكرته الشريفة عن الحياة، بعمقه في إدراك المغزى والحرية والتقدم... بأسئلته الكثيرة التي أجاب عن قليل القليل منها...

ألا إن العالِمَ الذي يملأ قلبه الحب-لا البغضاء والتجافي- الذي فيه السماحة والتسامح... الذي لا يختال وينصف... الذي تعنيه الرحلة في الحقيقة وفي الطرق غير المعبّدة وفي الأفكار النائية... الذي يتوارى في ظله كأي متشكك.. ويعترف بأن ما قدمه ليس بشيء..

يشبه أن يكون العالمُِ نبيا، لا يفتنه عن علمه عَرَضٌ، ولا يُذلّه مطلب أو شهوة دنيوية...

فلينظر (علماؤنا) في العلم معنى وخلقا... لأن أرواح العالَمِ والأفكار بين أصابعهم.

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل الاصنام تعتبر شواهد على الجاهلية ام العكس (حكمت)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    مقالة رائعة و تكمن اهميتها بانها تمس كثير من نماذج واقعيية لطواغيت يرفضون التغيير والتقدم فالكاتبة قدمت مثال حي لدكتاتوية الفكر و دعاة التمسك بالنهج الواحد و اود ان اضيف لفتة بان دعاة التمسك بالفكر الواحد في كل زمان ومكان فالعلم بادئ ذي بدئ ابان عصر الظلمات حورب باوروبا من الكنيسة(الدين ) وتم قتل كل من يقول ان الارض ليست بمركز الكون و السبب هو اصنام كانت موجودة و لا يريدون تكسيرها و هذه الاصنام هي الاشارة على الجاهلية ,يا سيدتي اعلمي بان الطيبون يحصرون مظاهر الجاهلية فى الشرك الساذج، والوثنية البدائية، وأخذ الثأر، والمفاسد الخلقية، التى كانت سارية فى البيئة العربية. أى أنهم يأخذون مظاهر الجاهلية العربية على أنها هي " الجاهلية" ذاتها. ومن ثم يحصرونها فى هذه الصورة المحدودة، فى هذه الفترة المعينة من التاريخ، فى هذه البقعة من الأرض، فى الجزيرة العربية. ويظنون- من ثمَّ- أنها مضت إلى غير رجعة فى الزمان أو المكان!
    والخبيثون يظنون أن "الجاهلية" هى مقابل ما يُسمى العلم، أو الحضارة، أو التقدم المادى، أو القيم الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية أوالإنسانية. ومن ثمَّ يجهدون أنفسهم إجهاداً- مدفوعين بتلك الدوافع غير الإسلامية التى نوه بها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم- لكى يثبتوا أن العرب لم يكونوا جهلاء، فقد كانوا يعرفون بعض المعارف. ولا متأخرين، فقد كانوا مُلمّين بشئ ما يسمونه الحضارة، وشئ من المدنية. ولا هم بخاوين من القيم. فقد كان لديهم من الفضائل كالكرم، والشجاعة، إغاثة الملهوف، وبذل النفس فى سبيل الشرف، أو النخوة، أو الكرامة، أو ما شابه ذلك من الأمور. ومن ثمَّ فوصف القرآن لهم بالجاهلية ليس حقيقة تاريخية! ومن ثمِّ كذلك، فالقرن العشرون فى نظرهم هو قمة الارتفاع البشرى الذى يمكن أن يحلم به الإنسان.
    وهؤلاء وأولئك كما قلنا لا يدركون معنى"الجاهلية" كما هو فى واقع الأمر، وكما عناه القرآن.
    ليست الجاهلية "صورة" معينة محدودة كما يتصورها الطيبون الذين يرون أنها فترة تاريخية مضت إلى غير رجوع. إنما هى"جوهر" معين، يمكن أن يتخذ صوراً شتى، بحسب البيئة والظروف والمكان؛ فتتشابه كلها فى أنها "جاهلية" وإن اختلفت مظاهرها كل الاختلاف.
    وليست هى المقابل لما يُسمى بالعلم، والمعرفة، والحضارة، والمدنية، والتقدم المادى، والقيم الفكرية والاجتماعية والسياسية والإنسانية على إطلاقها، كما يتصورها الخبيثون، سواء بالنسبة للجاهلية العربية أو بالنسبة للقرن العشرين. إنما الجاهلية- كما عناها القرآن وحددها- هى حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله، ووضع تنظيمى يرفض الحكم بما أنزل الله ?أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون?(المائدة: 50). هى إذن مقابل معرفة الله، والاهتداء بهدى الله، والحكم بما أنزل الله. وليست مقابل ما يُسمّى العلم والحضارة المادية ووفرة الإنتاج.
  • »العالم يعيش فى عالم مادى (د. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    لقد عودتنا الاستاذه زليخه ابو ريشه على مقالاتها الرائعه والتى غالبا ما تثير الجدل الذى اعتقد بانها تعودت عليه وصار جزءا من شخصيتها

    لقد ضاعت صورة العالم التى تعودنا عليها فى السابق فى خضم البحث عن الماده للحصول عليها حتى لو كان ذلك على حساب الامانه العلميه التى اصبح الملتزمون بها كالغول والعنقاء والخل الوفى فاصبحت سرقة الابحاث والمشاريع عملا مشروعا حتى وصل الامر الى مرحلة ان يستيدل صاحب البحث الاصلى باخر مزيف عن طريق وضع اسمه على غلاف البحث او الكتاب واصبح تزوير نتائج بعض الابحاث متمشيا مع ما تطلبه بعض الشركات الاحتكاريه الكبرى حتى تزيد من كمية مبيعاتها حتى لو كان ذلك على حساب صحة الناس كما فى قطاع الادويه او على حساب جيوبهم ان كان ذلك فى مجال المواد الاستهلاكيه
    وغالبا ما يبرر بعض هؤلاء لجوءهم لمثل هذه الاساليب الملتويه للظروف المعيشيه الصعبه التى يواجهونها والتى تتطلب منهم ذلك
    كما واتفق تماما مع الكاتبه على ان جزءا لا يستهان به من هؤلاء العلماء وبمجرد بداية حصولهم على الاموال تصيبهم عقدة العجرفه والتكبر ويصبحوا لا يحتملون اى راى معارض حتى بدون مناقشه
    اخيرا يحضرنى القول العام الذى كنا نردده دائما فى هكذا حالات (ساق الله على ايام زمان) عندما كان العالم يصرف على ابحاثه من جيبه
  • »حكمة و بيت (عربي)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    سيدة "ابو ريشة"
    لا يحق للعالم أن يهدم علم من سبقه, إلا إذا تعارض مع نص سماوي, لكنه يبني علمه على علم من سبقه, حتى و لو أختلف معه.
    أرى انك تحاولين جاهدة للوصول لتعريف "العالم" و صفاته, لكن لم تكن محاولتك موفقة.
    من العلوم المتوارثة "الحكمة" و الشعر و الأمثال وهي ليست بأصنام كما وصفتها أنت بمقالك هذا. و من هذه العلوم, القديمة جدا, سأقتبس لك حكمة و بيت شعر لتعريف العالم و صفاته وإنني أراها من البلاغة أنها لا تقدر بثمن.
    قال أحد الحكماء: "طالب العلم عالم, و من قال علمت فقد جهل"
    و يقول الشاعر:
    "لو كان العلم دون التقى شرف...
    لكان أشرف الخلق إبليس"
  • »كفاكم تغولا على الام (يوسف)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    لا أختلفف معك كثيرا، و لكن اكثر ما يؤرقني هو ذلك المفهوم الذي تدعون محاربته بينما انتم من أشد المنظرين له، ألا وهو اختزال مفهوم الام و دورها إلى خادمة في النهار و عشيقة في الليل، ما أعظم كلمة الام، وما أجمل كلمة الزوجة، فقط لو فهمتا الدور العظيم الذي تضطلعان به. أتمنى منكم أن تتوقفوا عن تصوير الام بهذه الصورة المجتزئة، أعرف كثيرا من المدرسات الجامعيات اللواتي يطمحن للحصول على لقب ودور الام، و لو تركن المنصب و دون عودة، و لكني لم أر أما واحدة تفهم دورها و تعلم حقيقة واجبها وأنها محوريةو مركزية إلى أبعد الحدود و تمنت أن تكون غير أم...
    ولا بأس من الجمع بين الثنتين، وإلا فالأم أقدس و أعظم و أشرف... هذه هي الام و هذا دورها... وأهلا بالعمل إن كان سيطور الام و يجعل منها رائدة في المجتمع فضلا عن البيت،و تبا للعمل إن كان سيسلبني أمي،،،
    والسلام،،،
  • »! (ديمة)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    رائع يا ست زليخة. من أجمل مقالاتك المنشورة في الغد. يجب تعميم هذه القطعة الأدبية على جميع الطلبة عند دخولهم الجامعات.
  • »صفة العالم هي صفات الدكتور ناصر الدين الأسد (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 21 نيسان / أبريل 2009.
    العالم الحقيقي هو ذلك العبقري الذي يقدر بان يصنع من تلاميذه عالماواحدا يخلفه عقلا ونضوجا ووعيا ...العالم هو ذلك الأنسان الذي كلما ازداد علماازداد تواضعا ..العالم هو الذي يهبط من برجه العاجي ليقابل من هم دونه علما وثقافة ثم يقدر أن يتقلهم درجة واحدة الى اعلى ما هم عليه...هومن تنطبق عليه اوصاف استاذنا الكبير الدكتور ناصر الدين الأسد...والعالم هو ذلك الطبيب الذي يضع لوجة فوق مكتبه ،أجرة الطبيب "ادفع بقدر امكاتنياتك" كما كان يفعل المغفور له باذن الله الدكتور منيف الرزاز