صعود إجماع بكين

تم نشره في الأحد 19 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

بروكسل- كانت أولى الزيارات التي قام بها الرئيس باراك أوباما إلى خارج أميركا الشمالية ـ لندن، وستراسبورغ، وبراغ، واسطنبول ـ سبباً في شد انتباه العالم إلى حد كبير. ولكن هذه الرحلة لم تفلح في إخفاء حقيقة رهيبة مفادها أن "إجماع واشنطن" بشأن الكيفية التي ينبغي للاقتصاد العالمي أن يدار بها أصبح الآن شيئاً من الماضي. والسؤال الآن هو ما الذي قد يحل محله.

رغم أن الصين كثيراً ما تُـتَّهَم بالافتقار إلى "القوة الناعمة" فإن العديد من أفكارها فيما يتصل بالاقتصاد والحكم أصبحت في صعود مطرد. والحقيقة أن إدارة أوباما، في سعيها إلى دعم استقرار الاقتصاد الوطني، تتحرك بوضوح نحو ذلك النوع من التدخل الحكومي الذي ظلت الصين تروج له وتعززه طيلة العقدين الماضيين.

في هذا النموذج تستمر الحكومة في الاستفادة من السوق الدولية إلى جانب احتفاظها بسلطتها على "النقاط الاستراتيجية" للاقتصاد من خلال فرض ضوابط صارمة على القطاع المالي، وتقييد سياسات تدبير اللوازم الحكومية، وتوفير التوجيه والإرشاد للبحوث والتنمية في قطاع الطاقة، وفرض قيود انتقائية على الواردات من السلع والخدمات. وكل هذه العوامل لا تشكل جزءاً من حزمة إنقاذ الاقتصاد الصيني فحسب، بل وتشكل أيضاً جزءاً من خطة التحفيز التي تبناها أوباما.

من الواضح أن الصين سعيدة لرؤية الولايات المتحدة وقد اختارت الآن أن تضع الحسابات الرزينة بشأن مصالحها الوطنية على رأس أولويات سياستها الخارجية. في مقابلة أجريت مع أوباما قبل تنصيبه مباشرة قال: "في سعينا إلى توفير حياة أفضل للناس على أرض الواقع، يتعين علينا أن نهتم بالمضمون أكثر من اهتمامنا بالشكل". وبدلاً من الهوس بالانتخابات تسعى الولايات المتحدة الآن إلى بناء تحالفات عملية لدعم احتياجاتها الاقتصادية. وهذا يتطلب في المقام الأول تملق الصين والأنظمة المستبدة في دول الخليج ـ الجهات الرئيسية المقرضة لخزانة الولايات المتحدة ـ بالإضافة إلى التعامل مع إيران وروسيا من أجل الحد من تكاليف الحرب في العراق وفي أفغانستان.

وفي حين تتراجع الولايات المتحدة عن معاييرها الليبرالية فإنها بذلك تغازل ما نستطيع أن نطلق عليه "إجماع بكين"، الذي يجعل من التنمية الاقتصادية هدفاً أسمى للبلاد ويحض بلدان العالم على تحريك النمو بقوة على النحو الذي يتناسب مع استقرارها الوطني. وفي هذه النظرة إلى العالم فإن طبيعة النظام السياسي لأي دولة لا تشكل أهمية كبرى ما دام قادراً على تحسين رفاهية شعبه. وعلى المستوى الدبلوماسي فإن هذا يعني ضمناً أن المصالح الوطنية، وليس المعايير العالمية، هي التي ينبغي أن تقود التعاون.

الحقيقة أن هذه الواقعية الدبلوماسية والاقتصادية أكثر من مجرد تراجع عن سياسة استعراض العضلات التي تبناها المحافظون الجدد أثناء سنوات ولاية جورج دبليو بوش. بل إنها في الواقع محاولة من جانب قوة عالمية تدهور بها الحال لاستخدام قدراتها المقيدة على نحو أكثر اقتصاداً.

على سبيل المثال، ليس من العار في أوقات الأزمات أن تتبنى حكومة ما نزعة تجارية حمائية محضة، ولكن الولايات المتحدة تكون بهذا قد خسرت مكانتها الأخلاقية باعتبارها نصيراً للتجارة الحرة.

إن هذه النزعة العملية الجديدة التي تتبناها أميركا الآن كانت أيضاً نتيجة لعملية "أقلمة اجتماعية عكسية". فعلى مدار العقدين الماضيين كانت الولايات المتحدة تعتقد ـ هي وحلفاؤها الأوروبيون ـ أنها قادرة على فرض مبادئها الاقتصادية والسياسية على بقية العالم. ولقد سقطت بلدان مثل الصين في شرك شبكة من المنظمات المتعددة الأطراف وأذعنت لاستراتيجيات المشاركة المشروطة. ولكن في أيامنا هذه لم يعد الغرب قادراً على فرض هذه الشروط. فضلاً عن ذلك فإن غالبية البلدان النامية تتبنى الآن وبقوة نظام الهيئات التعددية كجزء من استراتيجياتها التنموية.

وبينما ننتقل من نظام دولي أحادي القطب إلى نظام يتألف من قوى إقليمية متعددة فإن تبني استراتيجية واقعية لابد وأن يسمح للولايات المتحدة وأوروبا بالتنافس على النفوذ مع الإبقاء على التكاليف عند أدنى مستوى ممكن. ولابد وأن ينشأ عن هذا ترتيب جديد للقوى التي يربط بينها هوسها بالنمو الاقتصادي الوطني وسعي كل منها إلى منع القوى الأخرى من التسبب في عدم الاستقرار على النحو الذي قد يستدعي تدخلها.

وبدلاً من ائتمان أميركا على المهمة الشاقة المتمثلة في حماية الاستقرار الدولي فإن دولاً مثل البرازيل وروسيا والهند والصين سوف تضطلع بدور أشد بروزاً في مراقبة وتأمين ساحاتها الخلفية. فتستطيع روسيا أن تحصل على القوقاز، وإذا ما استشاط الجنرالات في ميانمار غضباً فهي مشكلة يتعين على الصين والهند أن يجدا لها حلاً.

إن هذا التحول في السياسة الأميركية سوف يؤدي حتماً إلى تآكل المحور الليبرالي الغربي. وربما تتمتع أميركا بالقدر اللازم من المرونة والزعامة للتكيف مع القواعد الجديدة في التعامل مع الدبلوماسية، ولكن هذا ما لا تتمتع به أوروبا ببساطة. ومن المحتم أن تتضاءل أهميتها الاستراتيجية حتى في إطار الشراكة القائمة عبر ضفتي الأطلنطي.

قد تمنح هذه الواقعية الجديدة الولايات المتحدة قدرة أعظم على المناورة في الأمد القريب، ولكنها سوف تضطر إلى التضحية ببعض من قوتها الناعمة في سبيل تحقيق هذه الغاية. ولن تعتمد قدرة أميركا على تعزيز نفوذها العالمي في المستقبل على مهابتها الأخلاقية بقدر ما ستعتمد على مدى نجاحها في إصلاح اقتصادها وصياغة تحالفات جديدة. وينطبق نفس الشيء على غيرها من القوى العالمية.

بيد أن إجماع بكين الناشئ هذا لا يقدم أي ضمان للاستقرار. ذلك أن قدرة مجموعة القوى المنسجمة الجديدة سوف تتحدد على ضوء أضعف أعمدتها، ولسوف تتطلب قدراً عظيماً من الانضباط وضبط النفس. ويتبقى لنا أن نرى كيف سيستجيب الرأي العام الأميركي لهذا التحول الوطني الكامل. إذا ما انزلق لاعب رئيسي واحد عائداً إلى الاضطرابات الاقتصادية فإن النزعة القومية من شأنها أن تحد من مجال المساومة العملية. وقد يتسبب تداخل مجالات النفوذ والنزاعات المجمدة في اندلاع صراعات كبرى. وإذا ما خرجت الصين من الأزمة باعتبارها الرابح الأكبر ثم استمرت في تعزيز قوتها فلسوف تحل السياسات التي يتساوى فيها المكسب مع الخسارة في محل التعاون المتكافئ الذي يعود بالمكسب على الجميع.

* رئيس قسم البحوث لدى معهد بروكسل لدراسات الصين المعاصرة.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق