موفق ملكاوي

ما لم تدركه اللافتات

تم نشره في الخميس 16 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 

نستقبل حافلة الحياة بتذاكر مثقوبة سلفا. وبخبرات تقترب من الصفر.

حافلة لا يعمل عليها (كونترول)، من أجل تسهيل الوصول إلى أماكن بعينيها، أو من غير السقوط في التجارب المرّة واحدة تلو الأخرى.

نظن دائما أن عقلنا مميز، وأنه يستطيع أن يجنبنا جميع المهالك التي سقط فيها آخرون.. يا الله كم نحن أدعياء، وتنقصنا خبرات كثيرة كي نستطيع أن نَلِجَ، بلا توهان، من إبرة الحياة الضيقة!

تذاكرنا مثقوبة في الأصل، ومنتهية الصلاحية قبل أن تبدأ، ولا يمكن لها أن تعيننا على إكمال المشوار حتى نهايته.

سنضطر دائما إلى الدفع الإضافي من أجل تحسين شروط ركوبنا حافلة الحياة المكتظة.

سندفع تجاربنا التي ندخلها طواعية، ونخرج منها بجروح لا تندمل: تلك أبجدية أولى في حياة نرمي بها من دون اختيار، ويطلب منا أن نجتازها من أحطاء.

هل يعقل أن نكون بلا أخطاء؟

حسنا إذن، سنكون عندها تعدينا آدميتنا المعهودة نحو صنف آخر من الموجودات!

ولكننا سنبقى بشريين ضعفاء: سنضطر دائما إلى اختبار اللهفات والتجارب المرّة.. والمرّة.

سيتعين علينا أن نشاطر غيرنا أشياءنا القليلة؛ خبزنا اليومي، حزننا اليومي، ودموعا كثيرة لا تقول شيئا.. سنشاطرهم ضياعا أبديا، وبوصلة لا تشير إلى اتجاه. سنشاطرهم كل شيء.. كل شيء، ما عدا خبرة الحياة السابقة التي لم يتسنَ لأحد من تسريب أي معلومات عنها!

تذاكرنا في الحياة عديمة الخبرة، ومنتهية الصلاحية، وتدرك مسبقا مقدرتنا الفائقة على الجري خلف عوادم الحافلات.

سنهتم إلى آخرين يزاحموننا على المقاعد التي تشغلها الجثث الآدمية.

سنهتم لأبنائنا، ونجهد في إعطائهم وصايانا الألف:

- لا تكذب، غير أنهم سيكتشفون دائما عدم جديتنا في الأمر، عندما يرون عشرات الكذبات البيضاء والسوداء تتسرب من حديثنا اليومي.

- لا تسرق، غير أننا سنعلمهم مبادئ "الشطارة" الاحترافية، والكيل بمئات المقاييس من التي لم تشفع لهم الرياضيات المعاصرة بالعرف إليها.

- لا تحسد، وسنجلدهم في كل مرة يأتون إلينا ببيع قليل، ونقارن بينهم وبين ما جناه الآخرون من ربح يومي غير ملوم.

سنهتم لأمرهم حد الثمالة. فنجهد معهم من أجل أن يعيشوا حياتنا التي حلمنا ذات عمر أن نعيشها، ونلعنهم حين يفكرون في رسم درب بعيد عن أمنياتنا. سنحيل حياتهم الخاصة إلى أمنية شاقنا تحقيقها في زمن ما، وعجزنا عن تحقيق ذلك الهدف.

سنفرح لا شكّ عندما نعلم أنهم حفظوا درسهم جيدا، ونقلوا خبراتنا إلى أبنائهم المستقبليين.

حافلاتنا، شبابيكها لا تنفتح على مشاهد أخرى.

دوار الركاب، قليلي الخبرة، لا يجلب سوى القيء.

والحافلات، كأنما لا تسير على طريق معين.

جميعنا أسرى غير منظورين لحافلة عمياء، تجهد في تنميطنا حدّ اعتياد السقوط المتكرر في الأخطاء عينها أبداً.

كيف يفوتنا دائما أن نجنّب من يأتي من بعدنا في التجارب الساذجة التي اختبرناها؟

كيف يفوتنا دائما أن نكتب لهم لافتات إرشادية تعينهم على تلمس حياتهم المقبلة؟

m.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حافلة تنهب العمر بسرعة (روابي)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    الحافلات، كأنما لا تسير على طريق معين...حافلة عمياء ..."
    ايها الموفق ,,, خلفي عُُُمر يمر بسرعة.. وساعة مصممة على وخزي بعقاربها باستمرار ..
    وعلى غفلة مني تجتمع الثواني بالدقائق .. بالساعات ..
    فيترافقوا نحو الأيام ..وبِتتابع إلى الشهور .. إلى الأعوام ..
    مُعلِنا ً حافلة الزمان...
    الزمان .. حافلة تنهَب العُمر بسرعة....
    "حافلة، شبابيكها لا تنفتح على مشاهد أخرى."
    وبين محطات العُمر المتتالية ..
    تتوّقفُ الحافلة للتجديد والراحة ..
    انتطر عودة الحافلة التي ليس لديها متسع لي...وحتى لو كان هناك متسع لي ..
    فالحافلة لا تسير ... ولكن هل هناك امل ان تعود الحافلة للوراء؟؟؟ فقد اصحح بعض الاخطاء..
    فكرت كثيراً بأني أخطأت ...لعل تجاربنا الأولى حافلة بالأخطاء دائماً !
    اشياء كثيرة نعتز بها وتعتز بنا ثم نصحو ونستيقظ بعدها على بكاء الندم في دواخلنا لما صدر عنا من تصرفات جعلتنا نهوي من الحافلة في واد سحيق من الالم..
    "فقد فاتنا أن نجنّب من يأتي من بعدنا في التجارب الساذجة التي اختبرناها؟
    وقاتنا أن نكتب لهم لافتات إرشادية تعينهم على تلمس حياتهم المقبلة؟"

    فلقد رضينا بحياتنا ان تكون ساكنة..فارغة...بحالة رتابة..

    (كانت الحياة ستبدو رائعة لو أننا عرفنا اي حافلة نختار واي طريق نسلك ..واي تذكرة نقطع..وكم من الاجر علينا ان ندفع..و...و...و!!!!)
  • »دوامه (rula)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    أحاول جاهدة أن أسحب نفسي من دوامة الافتراضات أبحث عن شعور آخر انقله من حيز اللاشعور إلى حيز الشعور
  • »قطار الحياة يسير (murabit)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    قطار الحياة لا يعبأ بأحد شقياً كان أو تقياً، يقف عند محطة ينزل منه راكباً يودعه قبره، ويستأنف المسير، يقف عند محطة أخرى فيأخذ راكباً ولد للتو، ويستأنف المسير، وفي القطار ركاب من فئات متنوعة، بعضهم يتصارعون عل مقاعد معينة، وبعضهم يقف ليقعد غيره. منهم من يضحك كثيراً ومنهم من يبكي كثيراً، منهم العبوس القمطرير؛ وجوه ناضرة نضرة، ووجوه عليها غبره، ترهقها قترة. ولكن الجميع في غفلة عمن ينزل من القطار في المحطة القادمة!
  • »لنفهم ان؟؟؟ (روند)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    "الحياة أوسع من أن نحيط بها بين ذراعينا.. ولكنها أضيق من أن تتسع لنا"
  • »حافلة الحياة (ايمان الشرمان)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    نسير على طريق رسمته لنا الأوضاع وفي اثناء سيرنا نمر بمحطات نقطع التذاكر ونتشبث بالأمل من جديد حتى لا نصبح في قاع الضياع, لنحافظ على قيم وسلوك في ظل وجود شوائب تعكر صفونا, فمن هذه الشوائب وجود من يخالف لمجرج المخالفة او الاستفزاز او فرض الرأي في الوقت الذي يتواجد في هذه الحافلة من يحافظ على القيم والتقاليد السامية فتراه يمسك السارق ليعيد الحق لصاحبه او يمنعه ضميره ان يسير ويتحرك بخداع.
    طريقنا مظلم لا نعلم الى اين سينتهي بنا المطاف ويحتاج منا اخذ الحيطة والحذر في الحركة .
  • »حافلاتنا (عبدالله الهور)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    يا موفق حافلاتنا لم تسر من زمن بعيد و لا أظن أن خططنا المستقبلية تتضمن جعلها تسير. رضينا بحيانتا أن تكون ساكنة كالجبال و فارغة كالهواء
  • »ثمة متسع لمجرد راكب آخر ؟؟؟؟ (رنا عمرو)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    كان على الحافلة ان تمضي ليس هنالك ثمة متسع للأنتظار....منذ الأزل وانا انتظر هنا كي اخذ دوري في اعتلاء تلك الحافلة ...لاشيئ لي هنا سوى الحلم والتمني و..الأنتظار..سأعتلي درجاتها الصماء..سأجلس الى جانب النافذه وارى السماء تتهاوى تباعا خلفي(30) عاما مرت وانا انتظر عودة الحافلة التي نستتني وراءها وحيده في فناء وضياع 30 عام وانا انتظر فقط ...ان ابدأ الحياه...اللآفتات خذلتني دائما...فالعباره نفسها ليس هنالك ثمة متسع لراكب آخر...نفذت التذاكر...نفذت المقاعد...وضعوني على قائمة ا؟لأنتظار و..انتظرت ثلاثون عام ريثما يستنكف احد الركاب عن الرحلة ويمضي في رحلة اخرى الى عالم اكثر حتميه ولامجال فيه للفرضيات والأحتمالات اللاحتميه...منذ ان جئت الى هنا وانا اجرب كل الفروض واختبر التوقعات والمعادلات الحسابية الحتميه...هل هناللك ثمة امل في عودة الحافلة للوراء؟؟؟.هل هناللك ثمة متسع لراكب اضافي؟؟؟؟ كل اللافتات لاتحمل سوى عبارات التهكم والفجيعة..وانا...مللت الأنتظار وقد فاتني ركوب الحافلة الأزلية التي لابدايه لها والأبدية التي لانهايه لها..وأنا لاازلية لي ولاابدية...هكذا خلقت...حتما سأنتهي في نفس المكان ..كل ما اردته طوال تلك الأعوام التي سقطت عبثا...فقط ان أبدأ الحياه
    شكرا استاذ موفق ملكاوي
  • »والله صحيح (بنت الجنوب)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    "جميعنا أسرى لحافلة عمياء تجهد في تنميطنا حدّ اعتياد السقوط المتكرر في الأخطاء عينها أبدا"..

    والله هذا صحيح... لن نتعلم من اخطاءنا الى الابد
  • »وجود افتراضي (وجه قديم)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    نحن مفترضات موضوعية لوجود وهمي.. سوف نظل دائما نبحث عن وجود غير افتراضي لارواحنا.. ولن تفيدنا الخبرات الماضية..

    لا تشغل بالك كثيرا
  • »ما فهمت (soso)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    يعني شو؟؟؟
    صدقني ما فهمت اي شي

    انا بحب مقالاتك.. بس هاي المرة...

    ما بعرف شو احكي... يمكن انا ما فهمتو
  • »لماذا الخبرة؟؟؟ (أسمهان ج)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    استغرب كل هذا الاصرار على امتلاك الخبرة المسبقة في الحياة... هذا أمر لا يفيد.. فالانسان ميال الى الوقوع في الاخطاء حتى لو عرف الطريق الصحيح

    انها رومانسية الشعراء فقط هي التي تحاول التعبير عنها في هذه المقالة

    اؤكد لك ان المقالة جميلة.. ولكن المعنى يحتمل النقاش
  • »معك حق (تقي الدين عبيدات)

    الخميس 16 نيسان / أبريل 2009.
    الأخ موفق ملكاوي المحترم
    تحية كبيرة ابعثها لك على هذا المقال الرائع.
    فعلا انت تكتب عن قضية مهمة جدا.. إنها سؤال وجودي احتار البشر كثيرا في مقاربتهوالغجابة عنه.
    نحن فعلا بلا خبرات سابقة في هذه الحياة.. والخبرات الوحيدة التي نحصل عليها تكون على حسابناالخاص.. غما بالالام والدموع، أو بخسارة وقت ثمين من حياتنا

    فعلا معك كل الحق