السودان و"إدمان الفشل"

تم نشره في الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

في مجلدين سميكين أودع د. منصور خالد، الوزير السوداني السابق في العهد المبكر لثورة مايو بقيادة جعفر النميري، عصارة خبرته مع أنظمة الحكم التي تعاقبت على السودان، منذ الاستقلال وحتى انقلاب "الجبهة القومية الاسلامية" بقيادة عمر حسن البشير (ومن خلفه حسن الترابي) واستيلائها على السلطة في السودان.

د. منصور خالد سمّى كتابه "النخبة السودانية وإدمان الفشل"، فهو لم يؤرخ فقط لتعاقب الأنظمة الفاشلة على السودان وإنما دوّن مشاهدات وسجّل أحكاماً قاسية بشأن قادة السودان وأحزابها وفعالياتها السياسية والنقابية، وقبل ذلك قادتها العسكريون في تعاطيهم مع الشأن السياسي.

وما يشهده السودان اليوم في عهد البشير هو حصيلة الانقلاب الذي دبره ونفذه يوم 30 حزيران 1989، مع مرشده الأعلى حسن الترابي، الذي، للمفارقة، بات بعد عشر سنوات، خصم البشير الرئيسي، والضحية الأولى له، ولذلك فإنه ما إن أُفرج عن الشيخ حسن الترابي من سجنه في بورسودان حتى طالب، أول ما طالب، الرئيس البشير بتسليم نفسه إلى المحكمة الجنائية الدولية، إنفاذاً للعدالة وتحريراً للسودان من العزلة والعقوبات الدولية!

السودان الذي تحرر من الاستعمار البريطاني في أواسط الخمسينات، ليصبح أحد الخيارات الممكنة لديه أن يكون الاقليم الجنوبي لبلاد النيل التي تشكل مصر اقليمها الشمالي، انتهى، قبل سنوات عدة، إلى نزاع دموي وحشد متبادل للقوات مع مصر، حيث تنازعا على منطقة الحلايب الحدودية. لكن الأهم من ذلك أن السودان ما إن انتزع استقلاله حتى دخلت نخبه الشمالية الحاكمة في الخرطوم في نزاعات حادة مع أطرافه، وتحديداً مع جنوبه- الافريقي غير العربي وغير المسلم، وهو النزاع الذي تحول إلى حرب أهلية مديدة لم يهدأ أُوراها الا قبل سنوات، بعد اتفاق السلام في نيروبي (2005). لكنه سلام قلق مهدد بانسلاخ الجنوب عن الشمال، خاصة في ظروف العزلة الدولية والحصار والإدانة التي تحيط بالنظام السوداني، بسبب مأساة دارفور.

وفضلاً عن الجنوب فإن نزعات التمرد لم تتوقف عن الانفجار في شرق السودان وغربه، وتحولت في اقليم دارفور، خاصة، إلى مأساة انسانية ومشكلة اقليمية ودولية، حيث لم يشفع لمواطنيها انهم مسلمون، بل وكان موطنهم مركزاً حضارياً مرموقاً للاسلام في القارة الافريقية.

يتحمل النظام السياسي الحالي مسؤولية خاصة وراهنة عن المصير الذي انتهى اليه السودان خلال العقدين الأخيرين. لكن مشكلات السودان وانفجاراته وتشرذماته لم تبدأ معه. بل كنا نظن أن هذا النظام حقق اختراقاً تاريخياً، حين نجح في وضع حد للحرب الأهلية مع الجنوب ووقع اتفاقا للسلام مع جون جارنج الزعيم الراحل لجيش تحرير السودان الشعبي.

ما يتحمل المسؤولية عن "ادمان الفشل" في السودان هو النخبه العربية المسلمة في الشمال التي نظرت بدونية إلى مكونات السودان القومية والاثنية والدينية الأخرى، وتصدت بوسائل القمع والتسلط لتطلعاتها نحو العدالة والمساواة والحرية، ومارست أبشع أشكال الشوفينية والتعصب معها على امتداد اكثر من خمسة عقود.

يوماً ما كان السودان مثالاً لتعايش التيارات السياسية ولقبولها بعضها بعضا، لكننا نكتشف اليوم أن التسامح والتعايش لم يكن الصفة الأبرز للنخبة السودانية، وإنما التمترس وراء الاختلافات المذهبية والطائفية والمصالح الذاتية الضيقة. ومن المؤسف أن الموقف العربي إزاء المشكل السوداني الراهن لا يمثل مجرد تضامن ودعم مجاني له، وإنما يبرهن على ضعف حساسية العرب عموماً تجاه شرائح اجتماعية واسعة في السودان، حتى ولو كانوا مسلمين. ولا عجب أن يلجأ بعضهم إلى الشيطان، ولا سيما الشيطان الاسرائيلي، شأنهم في ذلك شأن أقليات وإثنيات عديدة في العالم العربي.

hani.hourani@alghad.jo

 

السودان و"إدمان الفشل"

 

هاني الحوراني

في مجلدين سميكين أودع د. منصور خالد، الوزير السوداني السابق في العهد المبكر لثورة مايو بقيادة جعفر النميري، عصارة خبرته مع أنظمة الحكم التي تعاقبت على السودان، منذ الاستقلال وحتى انقلاب "الجبهة القومية الاسلامية" بقيادة عمر حسن البشير (ومن خلفه حسن الترابي) واستيلائها على السلطة في السودان.

د. منصور خالد سمّى كتابه "النخبة السودانية وإدمان الفشل"، فهو لم يؤرخ فقط لتعاقب الأنظمة الفاشلة على السودان وإنما دوّن مشاهدات وسجّل أحكاماً قاسية بشأن قادة السودان وأحزابها وفعالياتها السياسية والنقابية، وقبل ذلك قادتها العسكريون في تعاطيهم مع الشأن السياسي.

وما يشهده السودان اليوم في عهد البشير هو حصيلة الانقلاب الذي دبره ونفذه يوم 30 حزيران 1989، مع مرشده الأعلى حسن الترابي، الذي، للمفارقة، بات بعد عشر سنوات، خصم البشير الرئيسي، والضحية الأولى له، ولذلك فإنه ما إن أُفرج عن الشيخ حسن الترابي من سجنه في بورسودان حتى طالب، أول ما طالب، الرئيس البشير بتسليم نفسه إلى المحكمة الجنائية الدولية، إنفاذاً للعدالة وتحريراً للسودان من العزلة والعقوبات الدولية!

السودان الذي تحرر من الاستعمار البريطاني في أواسط الخمسينات، ليصبح أحد الخيارات الممكنة لديه أن يكون الاقليم الجنوبي لبلاد النيل التي تشكل مصر اقليمها الشمالي، انتهى، قبل سنوات عدة، إلى نزاع دموي وحشد متبادل للقوات مع مصر، حيث تنازعا على منطقة الحلايب الحدودية. لكن الأهم من ذلك أن السودان ما إن انتزع استقلاله حتى دخلت نخبه الشمالية الحاكمة في الخرطوم في نزاعات حادة مع أطرافه، وتحديداً مع جنوبه- الافريقي غير العربي وغير المسلم، وهو النزاع الذي تحول إلى حرب أهلية مديدة لم يهدأ أُوراها الا قبل سنوات، بعد اتفاق السلام في نيروبي (2005). لكنه سلام قلق مهدد بانسلاخ الجنوب عن الشمال، خاصة في ظروف العزلة الدولية والحصار والإدانة التي تحيط بالنظام السوداني، بسبب مأساة دارفور.

وفضلاً عن الجنوب فإن نزعات التمرد لم تتوقف عن الانفجار في شرق السودان وغربه، وتحولت في اقليم دارفور، خاصة، إلى مأساة انسانية ومشكلة اقليمية ودولية، حيث لم يشفع لمواطنيها انهم مسلمون، بل وكان موطنهم مركزاً حضارياً مرموقاً للاسلام في القارة الافريقية.

يتحمل النظام السياسي الحالي مسؤولية خاصة وراهنة عن المصير الذي انتهى اليه السودان خلال العقدين الأخيرين. لكن مشكلات السودان وانفجاراته وتشرذماته لم تبدأ معه. بل كنا نظن أن هذا النظام حقق اختراقاً تاريخياً، حين نجح في وضع حد للحرب الأهلية مع الجنوب ووقع اتفاقا للسلام مع جون جارنج الزعيم الراحل لجيش تحرير السودان الشعبي.

ما يتحمل المسؤولية عن "ادمان الفشل" في السودان هو النخبه العربية المسلمة في الشمال التي نظرت بدونية إلى مكونات السودان القومية والاثنية والدينية الأخرى، وتصدت بوسائل القمع والتسلط لتطلعاتها نحو العدالة والمساواة والحرية، ومارست أبشع أشكال الشوفينية والتعصب معها على امتداد اكثر من خمسة عقود.

يوماً ما كان السودان مثالاً لتعايش التيارات السياسية ولقبولها بعضها بعضا، لكننا نكتشف اليوم أن التسامح والتعايش لم يكن الصفة الأبرز للنخبة السودانية، وإنما التمترس وراء الاختلافات المذهبية والطائفية والمصالح الذاتية الضيقة. ومن المؤسف أن الموقف العربي إزاء المشكل السوداني الراهن لا يمثل مجرد تضامن ودعم مجاني له، وإنما يبرهن على ضعف حساسية العرب عموماً تجاه شرائح اجتماعية واسعة في السودان، حتى ولو كانوا مسلمين. ولا عجب أن يلجأ بعضهم إلى الشيطان، ولا سيما الشيطان الاسرائيلي، شأنهم في ذلك شأن أقليات وإثنيات عديدة في العالم العربي.

hani.hourani@alghad.jo

 

التعليق