محمد برهومة

"الحياة قصيرة لكنّ النهار طويل"

تم نشره في الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

كلّ من يملك أحلاماً يعيش حياتين: حياته اليومية بكل تفاصيلها الإجرائية، التي تنطوي على الجهد واختلاط المشاعر وبعض الملل وبعض الفرح...، وحياته المتخيلة التي يرنو إليها ويصبو لملاقاتها، والدنوّ من سمائها.

إيهما أقرب إلى حقيقتنا: الواقع المعيش أم الواقع الذي نحلم به؟

أنا من المقتنعين بأنّ الأفكار عامل رئيسي في سعادة الإنسان. طرح الأسئلة متعة، والإصغاء إلى النفس جهدٌ سروريّ خالص. إن حياة الحلم هروب من الواقع، تحليق في البعيد، معانقة لآفاق أشدّ اتساعا ورحابة.

من يملكون الأحلام يصْبون إلى تجاوز اليوميّ والراهن والمبتذل. الأحلام إعلان حرب صريح ضدّ الضجر والملل والقناعة بما هو قائم. أعتقد أنّ من لديهم أحلام لا يفهمون بالضبط ما معنى "راحة البال". من لديهم أحلام يضعون شعار "الطموح كنز لا يفنى" بدلا من "القناعة كنز لا يفنى".

الأحلام قنطرة لأنْ نعرف ذواتنا أكثر، لأنْ نكتشفها. الأحلام إنفاق الجهد في كشف الأسرار واستجلاء الغموض، والبحث عن الجوهري الكامن في أروقة أرواحنا.

السؤال الأكثر إلحاحا هنا: هل تكفي حياة واحدة لكل ذلك؟

إنّ حياة الحلم إيقاظ لحياة الواقع، وإشعال خلايا الفرح في ثناياها. والارتقاء في الحياة ليس مفهوما مساويا للارتقاء الوظيفيّ بالضرورة. بل كثيرا ما يستتبع الارتقاء الوظيفيّ ( وما يتطلبه من زيادة جهد وقضاء مزيد من الساعات في العمل...) هجران إجباري لكثير من المتع والمسرات، واستغناء عن البساطة، التي هي في الحقيقة مرآة للجمال، واقتراب من نبع الأسرار والدهشة وعذرية الأشياء.

الأحلام ممتدة وشاسعة، لكننا نعيش حياة واحدة. وصعوبة العيش وأمراض الضجر والملل تجعلنا نردد مع خليل حاوي: "وتمطّ أرجلها الدقائق تستحيل إلى دهور". أيْ مع السآمة ننتبه إلى أنّ ثمة ساعة في معصمنا، وأنّ النهار لا يودّ الانقضاء. أيْ كما قال غوته: "الحياة قصيرة لكنّ النهار طويل".

مع اتساع الأحلام، واكتظاظ الأجندة بالأماني، لا تبدو حياة واحدة كافية. حياة واحدة غير كافية لأنْ نتوغل مثلما ينبغي في الطفولة والبراءة والشغف. حياة واحدة غير كافية للتعلم والسفر واكتشاف الذات والعالم، وتكوين أسرة وتربية أطفال، والاطلاع على بدائع الكون وثقافاته وأسراره وتجارب الناس فيه، وتوفير ما أمكن من مال يعين على ممارسة العيش وتكاليف الحياة و...و...

نغرق في حياة الواقع، وننأى عن حياة الحلم، حين يطال الإحباط إرادتنا، وينطفئ ضوء القمر في عيوننا.

ليس التفاؤل وحده ما يجعل حياة الحلم أمرا ملحّاً، بل التشاؤم كذلك دافع لتجاوز القائم والخروج عليه. قد يكون التفاؤل أحيانا استسلاما لما هو موجود ورضا عنه، فيما قد يدفع التشاؤم للانتقام من "مرض الراهن" بعد أنْ نضيق به ذرعا، ونلعن ركوده المستنقعيّ.

الأوقات الجميلة تمرّ سريعة، لكنّ تذكرها يحيلها إلى حياة تحرّض على التجريب ثانية وثالثة و... فيما النهارات اللزجة تعني أنها صادفتْ روحاً دبقة لم تصحُ مبكراً لمصافحة الشمس وقطف العصافير.

الحياة قصيرة، والمهم أن نعرف كيف نعيشها، وإلاّ... فإنّ النهار طويل.

mohammad.barhomuh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل (قارئة للمقالات الجميله)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    حقا كما قال ماركيز احلموا كثيرا وناموا قليلا
  • »احلامنا (ايمان الشرمان)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    مع متعة الحياة وضنك العيش تداعبنا الاحلام فتولد معنا وتنتهي بموتنا, تمر بنا ليلاً ونهاراً, لنسبح فيها الى المجهول.
    قد نعبر من خلالها الحواجز ونسافر الى خارج حدود المكان والزمان , لا نعلم الى اين قد تأخذنا واين سينتهي بنا المطاف , ولكن تبقى الاحلام احلام (كما هي) لا تغير شئيا من واقعنا رغم هربنا احيانا اليها, فقد نصبح رؤساء او امراء فيها او حتى عاشقين, وقد نلتقي باشخاص محال ان نلتقيهم في واقعنا فتعيدنا الى ذكرياتنا التي تغيب عن اذهاننا , ولكن في لحظة الواقع نصحو لنتفقد المكان من حولنا وتنهار احلامنا لانها مجرد احلام.
  • »الحلم والحقيقة (mona)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    اعتقد ان الحقيقة والحلم في حياتنا متلازمان لا يفترقان مقابل كل حقيقة في حياتنا نجدحلم نتمناه حقيقه.
    ولا نحتاج حياة ثانيه من اجل تحقيق الاحلام طالما ان الحلم والحقيقةيسيران جنبا الى جنب مع بعضهما البعض الى ان تنطفىء شمعة العمر في آخر المطاف.
  • »الحلم...الوهم....الأسطورة (رنا عمرو)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    الحلم الذاتي عندما يتحول لحلم جماهيري يتحول لأسطوره
    عندما يتحقق الحلم يكون حلم حقيقي وعندما لايتحقق يكون اصلا مجرد وهم
    الحلم الحقيقي يؤدي الى الأكتمال الحلم الواهم ينتهي
    عندما نكبر وتهرم المخيلة نفقد القدرة على الحلم ونكمل بقية العمر نقتات الذكريات
    الخيال موطن الحلم الذاتي كلما كان الخيال خصب كانت الأحلام اكبر واكثر ومن نوع الأ؟وهام
    كثيرون اؤلئك الحالمون الذين يكون فعل حياتهم مجرد حماقة
    الذين يحلمون ولايفعلون يعانون بعض الذهان
    الذين يفعلون احلامهم سيصابون بتخمة النجاح
    الحالم دائما مصاب بهاجس القلق
    الحلم الممكن مباح ويحتاج لخيال خصب...همة انسانيةواراده...وعالم انساني سوي...في الغابة لاتنمو اية احلام...ليس هنالك متسع للحلم فيها اصلا عليك ان تظل فيها متيقظا ومشهرا اظافرك لأي خطر مفترس في اي لحظة
  • »ونمنا ولكن بلا خلم (د. ناجى الوقاد)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    شكوا للاستاذ محمد برهومه على مقاله(الحياه قصيره لكن النهار طويل)
    قد تفاجئك رؤى الاحلام احيانا
    وتاخذك الى احزانك الاولى
    عندها تصبح مسكونا بالخوف
    وتعود نفسك التى هاجرت وحيده
    تعود من غربتها
    ولكن فى ساعه متاخره من الحلم
    هنالك تحلم حين يموت الحلم
    ولكن هل تجف الاحلام او تنضب؟
    حينها يمكن النوم على وجع الوتر
    وتبقى الاسئله كما هى دون جواب
    كم لبثنا دون احلام وتهنا؟
    كيف ضاع الحلم منا؟
    كيف ضاق الحلم فينا وانكسر الرجاء؟
    هاهم قد سرقوا احلامنا
    وغلقوا افواهنا
    ونمنا انما لا حلم فينا