عبء الصين

تم نشره في الجمعة 10 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 شَهِد الشهر الماضي حلول الذكرى الخمسين لما يحب الناشطون التبتيون أن يطلقوا عليه يوم الانتفاضة الوطنية التبتية، إنه ذلك اليوم من عام 1959 حين ثار أهل التبت في لاسا ضد حكم الحزب الشيوعي الصيني. بطبيعة الحال، سحقت الحكومة الصينية التمرد، وفر الدلاي لاما إلى الهند، وطيلة عقد من الزمان على الأقل ظلت الأمور تتفاقم سوءاً: فتضور ما يقرب من المليون من أهل التبت جوعاً حتى الموت أثناء الحملة التي أطلق عليها الرئيس ماو قفزة هائلة إلى الأمام، وسويت المعابد والأديرة بالأرض أثناء الثورة الثقافية، وبأيدي الحرس الأحمر التبتي في بعض الأحيان، ولقي العديد من الناس حتفهم في أعمال العنف.

يشعر المسؤولون الصينيون بالتوتر على نحو ملحوظ في هذا العام من أيام الذكرى السنوية (الذي يصادف أيضاً مرور عشرين عاماً على حادثة ميدان السلام السماوي). في شهر آذار (مارس) كنت في زيارة إلى تشنجدو بإقليم سيشوان حيث يقيم العديد من أهل التبت. وحتى السياح الأجانب الذين لم تكن لديهم أدنى فكرة عن الذكرى السنوية أوقفهم رجال الشرطة في الشوارع بحثاً عن دلائل التمرد. وطوِّقَت هذه المنطقة التبتية المزخرفة بالألوان النابضة بالحياة، ولم تكتف السلطات بحظر التقاط الصور هناك؛ بل ولم يكن من المسموح للمرء حتى بالسير عبر المنطقة.

ولكن الصحافة الصينية غطت الذكرى السنوية بعدد من المقالات الجياشة بالمشاعر، حيث وصفت ابتهاج أهل التبت بتحررهم من قرون من الإقطاع والاستعباد. وإذا كان لنا أن نصدق صحيفة تشاينا ديلي، وغيرها من المطبوعات الصينية، فإن التبت قبل تحريرها كانت عبارة عن جحيم لا يطاق، والآن يشعر أهل التبت بالسعادة والامتنان بعد أصبحوا من مواطني جمهورية الصين الشعبية.

ربما كان بعضهم سعداء، ولكن أكثرهم ليسوا كذلك. ولكن إذا كانت الدعاية الصينية ترسم صورة قاتمة للغاية لماضي التبت، فإن الغربيين المتعاطفين مع قضية التبت كثيراً ما يتعاملون مع الأمر بقدر مفرط من العاطفية.

كانت الجاذبية الشخصية التي يتمتع بها الدلاي لاما، إلى جانب جو الهيمالايا العامر بالحكمة الروحانية السامية، من الأسباب التي أدت إلى تعزيز صورة كاريكاتورية لشعب غامض حكيم محب للسلام تسحقه إمبراطورية وحشية. ومع ذلك فلم يكن من أجل لا شيء أن يرحب عدد غير قليل من أهل التبت المتعلمين بالشيوعيين الصينيين في عام 1950. إذ أن طائفة رجال الدين البوذيين كانت تبدو لأسباب وجيهة متزمتة وقمعية، أما الشيوعية الصينية فقد جاءت ومعها الوعد بالحداثة والتجديد.

وهذا هو ما قدمته لهم الحكومة الصينية بالفعل أثناء العقود القليلة الماضية. فمدينة لاسا التي كانت منذ ثلاثين عاماً راكدة قذرة وغارقة في سباتها، أصبحت اليوم مدينة تنعم بميادين عامة ضخمة ومراكز تسوق، وبنايات شاهقة، وأصبح يربطها الآن ببقية أقاليم الصين خط سكك حديدية فائق السرعة. صحيح أن أهل التبت، الممثلين على نحو هزيل في الحكومة المحلية، ربما لم يستفيدوا بقدر ما استفاد الصينيون المنتمون إلى أسرة هان، والذين يشكلون حضوراً ساحقاً في مدن مثل لاسا، سواء كجنود أو تجار أو حتى بغايا، إلى الحد الذي جعل الناس يخشون انقراض الثقافة التبتية، إلا باعتبارها مقصداً سياحياً رسمياً.

ورغم ذلك فلا أحد يستطيع أن يشكك في أن المدن التبتية أصبحت اليوم أكثر حداثة ومعاصرة ـ سواء من حيث شبكات الكهرباء، أو التعليم، أو المستشفيات، أو غير ذلك من المرافقة العامة ـ مما كانت عليه في أي وقت مضى. وهذه الحجة لا يستعين بها المسؤولون الصينيون فحسب، بل وكل أهل الصين تقريباً، في تبرير وتسويغ استيعاب التبت في الصين الكبرى.

الحقيقة أن هذه الحجة لها تاريخ طويل. فقد استخدمها المستعمرون الغربيون (واليابانيون بكل تأكيد) في مطلع القرن العشرين لتبرير حملاتهم لتمدين أو تحديث المواطنين الأصليين. وكانت تايوان تحت الحكم الياباني في الحقيقة أكثر حداثة من بقية أجزاء الصين. كما جلب البريطانيون معهم الإدارة الحديثة، فضلاً عن السكك الحديدية والجامعات والمستشفيات، إلى الهند.

ولكن في خارج إطار المغالين في التعصب الوطني الشاعرين بالحنين إلى الماضي، فلم يعد أغلب الأوروبيين واليابانيين يرون أن التحديث ينبغي أن يكون مبرراً كافياً للحكم الاستعماري. إن التحديث لابد وأن يتم عن طريق أناس يحكمون أنفسهم، ولا ينبغي له أن يفرض من الخارج بواسطة قوة أجنبية. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يُـسمَح لأهل التبت بتحديث أنفسهم.

ولكن الصينيين لديهم في جعبتهم حجة أخرى، وهي حجة تبدو أكثر قبولاً (وأكثر معاصرة). فهم يشعرون عن حق بالفخر إزاء التنوع العرقي في الصين. فلماذا يتعين علينا أن نعرف الجنسية باللغة والعرق؟ وإذا ما سُـمِح لأهل التبت بالانفصال عن الصين، فلماذا لا ينفصل أهل ويلز عن بريطانيا، أو أهل الباسك عن أسبانيا، أو الأكراد عن تركيا، أو أهل كشمير عن الهند؟

قد يجيب البعض على مثل هذه التساؤلات قائلين: "حسناً، ربما ينبغي لكل هؤلاء أن ينفصلوا". ولكن العرق باعتباره الدلالة الرئيسية للجنسية يشكل مفهوماً غامضاً وخطيراً، فهو يعني بين ما يعنيه نبذ كل الأقليات بالعراء.

هل من الخطأ إذن أن يدعم الناس قضية التبت؟ وهل يتعين علينا أن نصرف عن أذهاننا هذه المسألة باعتبارها ضربا من الهراء العاطفي؟ ليس بالضرورة. فالمسألة لا تتعلق كثيراً بثقافة التبت، أو بالروحانيات، أو حتى بالاستقلال الوطني، بل إنها مسألة تتعلق في الأساس بالقبول السياسي.

وفي هذا الصدد فإن أهل التبت ليسوا أسوأ حالاً من غيرهم من مواطني جمهورية الصين الشعبية. فالمعالم التاريخية تُـجَرَّف الآن في مختلف أنحاء الصين باسم التنمية. بل إن الثقافة تتعرض للتعقيم (من عُقْم) والتجنيس (من تجانس) والحرمان من الاستقلال والعفوية في كافة المدن الصينية، وليس فقط في التبت. ولا يملك أي مواطن صيني، بصرف النظر عن انتمائه العرقي إلى أسرة هان أو التبت أو الويغور أو منغوليا، أن يصوت بإخراج الحزب الحاكم من السلطة.

المشكلة إذن لا ترتبط في الأساس بالجنسية أو التمييز، بل إنها تتعلق بالسياسة. فالحكومة الصينية تزعم أن أهل التبت سعداء، ولكن من دون صحافة حرة وحق التصويت فلن يتسنى لنا أبداً أن نتثبت من هذا الزعم. ولكن أعمال العنف الجماعي المتفرقة، والتي يتبعها دوماً قدر مساوٍ من القمع الوحشي، تشير إلى أن العديد منهم غير سعداء.

لن تكون لهذه الحلقة المفرغة نهاية إلا بالإصلاح الديمقراطي، ذلك أن العنف يشكل التعبير النموذجي لأناس محرومين من حرية التعبير. وهذه الحقيقة لا تصدق على التبت فحسب، بل وتصدق أيضاً على بقية الصين. ولن يتحرر أهل التبت إلا عندما تتحرر الصين بالكامل. وبهذا المعنى فإن أهل الصين كافة يبحرون في قارب واحد.

*أحدث مؤلفات إيان بوروما كتاب بعنوان "عاشق الصين".

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

التعليق