مشهد اقتصادي يومي بعيدا عن لغة الأرقام

تم نشره في الخميس 9 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 

القصص كثيرة التى يمكن روايتها وسردها تحاكي تجليات الأزمة المتعمقة في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة بعيدا عن الأرقام والإحصائيات والتي تصور ما يحدث على الواقع الآن.

يحدثني أحد العاملين في إحدى الشركات كيف بات منافسوه يدخلون العطاءات بأسعار تقل عن الكلفة في منافسة كسر عظم للحصول على عقد بأي ثمن لتأمين السيولة قبل التأخر عن سداد مطالبات البنوك.

وآخرون يحدثونني عن انحسار أصاب حتى بيع عبوات المياه المعدنية التى تجعلنا نتساءل كيف يمكن أن يخف استهلاك المياه حتى في الأحياء الغنية من العاصمة التى صارت فيها تستهلك مياه الحنفية للشرب وهناك الكثير من الشواهد الأخرى في الأسواق التي نرى فيها محال بأكملها تعرض بضائع بهوامش ربح متدنية وحتى بخسارة لتتمكن من الإيفاء بالتزاماتها.

 إلى جانب ذلك نرى بأعيننا في أحياء عمان الغربية الشقق والفلل الكثيرة التي بقيت لافتتات البيع معلقة عليها لأشهر عديدة من دون حراك ولن نتحدث عن قطاع السيارات الفارهة التى أغرقت أسواق عمان في سنوات مضت وصارت الآن مصفوفة على نواصي الطرق كمعارض دائمة.

ويقول محدث مطلع آخر كم من الشركات المعروفة التي لم تعد تبرم عقود الصيانة لأجهزتها الحاسوبية وتكتفي بما هو ضروري بعيدا عن أي مصاريف إضافية، أو حتى شركات كبرى صارت تخفض أيام عمل موظفيها أو تنهي الساعات الإضافية التي كانت موردا إضافيا لموظفيها في ظروف كان التسيب سيد الموقف.

 ولا شك أن الانكماش الواضح في الاستهلاك الذي أصاب قطاعا مهما من المجتمع بات يترك آثاره على المشهد اليومي للأفراد في تفاصيله الصغيرة وبات يشكل ظاهرة ربما تتفاقم مع مرور الأيام مع بقاء استمرار التداعي في واقع اقتصادي هش كان مستأثرا على ساحة الأعمال لفترة طويلة.

 فصديق آخر يعمل في شركة للإلكترونيات المنزلية يتحدث عن زبائن ميسورين ابتعدوا الآن عن شراء السلع الكمالية الجديدة وتوجهوا للمرة الأولى للصاينة لتصليح ما لديهم بدل شراء الجديد كما كان يحصل سابقا.

 ويحدثني مدير آخر كيف طال الكساد حتى مبيعات الكنافة في أهم متاجر الحلويات ولن نتحدث كثيرا عن المولات التى يجوب فيها الشباب العاطل عن العمل الذي لم يعد يجد متنفسا فى دول الخليج, وفي الطرقات نرى كيف خف زخم حركة شاحنات نقل الأثاث والبضائع والمواد الإنشائية التي كانت تخنق الشوارع وتشعرنا جميعا بأن عمان ورشة عمل لا تنتهي.

 وفي ظل الكساد لم تعد تجدي كثيرا كل العروض الخاصة التي جعلت من التنزيلات مشهدا أسبوعيا لا موسميا مقارنة مع فترات التنزيلات السابقة التي كانت المبيعات ترتفع في دورة طبيعية للتجارة.

 ويهمس لي مسؤولو الكاش فى المحال الكبرى كيف باتت أعداد أكبر غير مسبوقة من بطاقات الائتمان ترفض لمستهلكين محرجين اعتادوا على الشراء بالدين.

 وهكذا في كل مناحي الحياة نرى حركة يشوبها الحذر وعدم اليقين تسببت بانكماش في الصرف والاستثمار لا ينجو منها سوى قلة من الأثرياء والمعدمين أيضا ممن لا يتأثرون في كل الظروف وممن توفر لهم الأزمات فرص الاقتناص وصعوبة التنبوء بما ستؤول إليه الأحوال، فضبابية المشهد تدفع الكثيرين إما لإعادة النظر في أولوياتهم وتقليص احتياجاتهم للتكيف مع واقع اقتصادي مغاير لما تعايشوا معه بفضل فخ الاقتراض المصرفي. 

 ولا شك أن هناك من أصابتهم الأزمة ونجحوا بالرغم من الظروف وهم بالطبع القلة ممن بدأوا أعمالا جديدة وغيروا توجهاتهم أو وجدوا متعة أكبر في وتيرة حياة أقل صخبا.

 ولا بد أن هناك فرصا متاحة لتغيير المسارات، ويقف حائلا دون ذلك تعودنا على عقلية البذخ والاستهلاك التي سادت وطغت ولن يكون سهلا هدمها في أيام.

 ولحين ذلك سنبقى نتعايش مع المزيد من صور تداعيات المشهد المتقهقر على واقع تفاصيل حياتنا اليومية.

sulaiman.khaldi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة تصف الواقع بعيدا عن اية ارقام (علي)

    الخميس 9 نيسان / أبريل 2009.
    وقد جاءت معبرة وبسيطة لكي يفهم من لا يريد ان يفهم من المسؤولين عن الشان الاقتصادي,وبخاصة البنك المركزي,ان تداعيات الازمة المالية العالمية تعمقت وبدى الشلل يصيب الانشطة المختلفة.
    البنك المركزي هو الجهة الحكومية الوحيدة التي لازالت تستبسل في انكار الواقع وكذلك الارقام التي ظهرت مع نهاية الربع الاول من هذا العام والتي اشارت الى انخفاض نسبة النمو ب 2.5%.
    وزير المالية في حديثه قبل يومين اظهر شجاعة يستحق عليها الثناء بين ان لدينا صعوبات لا يستهان بها.
    المسؤول الذي تنقصه الشجاعة للمكاشفة لا تحتاجه البلد ولا فائدة ترجى منه.
  • »عاشت أنامل كتابك يا غد... (فراس جبر)

    الخميس 9 نيسان / أبريل 2009.
    أود أن أشكر جريدة الغد على تغطيتها للواقع بإسلوب يحاكي القارىء وكأنه في جلسة حوار خفيفة مع الأصدقاء... فيها المعلومة والحقيقة والتي تعكس تفاصيل الحال بكل صدق وأمانة..

    ما أعذب القراءة عندما يكون الأستاذ سليمان الخالدي هو من سطر كلمات المقالة.. إلى الأمام
  • »الخوف والتشاؤم سبب انخفا ض الاستهلاك (بشير ابوالذهب)

    الخميس 9 نيسان / أبريل 2009.
    في اخر احصائيه عن الودائع والتي بينت ان اجمالي الودائع في البنوك بلغ اعلاه في الشهر الماضي ما يزيد عن 18 مليار دينار ,وهذا معناه ان الناس باتت تفضل ان تحفظ اموالها في البنوك ولا تصرفها خوفا من الاقاويل حول اثار الازمه الماليه العالميه .
    وحين نقرأ هذا الرقم بمعناه العميق نستنتج بان الناس في غالبيتها لديها اموال زائده عن حاجتها ولكنهم اثروا حفظها في البنوك .
    ولاننا نعلم بان الانسان العادي الذي هو المستهلك هو الذي يحرك الاقتصاد كمحرك اساسي في النشاط الاقتصادي , فاذا ما اثر ان لا يستهلك او لا يصرف ماله ( كما هو حادث حاليا ) فبالتاكيد سينتج عنه ركود وقله نشاط تنعكس اجمالا على جميع القطاعات بلا استثناء سواءا حكوميه او خاصه .
    واذا ما اردنا للاقتصاد ان يتنشط ويتحرك يجب دب روح الامل والتفاؤل والطمأنينه لدى الناس بدل من دب روح التشاؤم والخوف والتردد الذي يمارسه الكثير من الناس والصحافه والصحفيين .