باراك أوباما وكوبا: متى تطوى آخر صفحات الحرب الباردة؟

تم نشره في الخميس 2 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

لا تستحق كوبا رفع حالة الحصار الأميركي عنها فحسب وإنما تستحق اعتذاراً رسمياً من البيت الأبيض على عقود طويلة من السياسات العدائية ومحاولات الغزو

رسالة المصالحة التي أرسلها الرئيس الأميركي باراك أوباما، قبل أيام، الى قادة ايران ومخاطبته هذا البلد باسمه الرسمي "الجمهورية الاسلامية الايرانية" بعد أن مر على قيامها ثلاثة عقود، أعادت الى الأذهان قطيعة الولايات المتحدة مع كوبا، البلد الاشتراكي الصغير، الذي يبعد عن ايران آلاف الأميال لكنه يقع على مرمى حجر من شواطئ الولايات المتحدة الجنوبية، حيث تفرض عليه حصاراً تجارياً مستمراً منذ نحو خمسة عقود.

لقد فتح انتخاب الرئيس اوباما الباب أمام تغيرات جوهرية في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، لكن الغريب أن البيت الأبيض لم يطرح حتى الآن مبادرة من النوع الثقيل تجاه هافانا، ولم يقم بمخاطبة الزعامة الكوبية بعد برسالة مشابهة للتي وجهت الى قادة ايران الاسلامية، وإن كانت صدرت عن الحكومة الأميركية خطوات رمزية صغيرة من نوع تسهيل اجراءات زيارة المواطنين الكوبيين الى الولايات المتحدة. وقام مؤخراً ألف وأربعمائة عالم من أرجاء الأرض كانوا يعقدون مؤتمراً لهم في العاصمة الكوبية، بدعوة الرئيس الأميركي لفتح صفحة جديدة بين بلده وكوبا، وفي مقدمتها رفع الحصار عن الجار الكوبي القريب جداً من شواطئ فلوريدا وإلغاء القيود على التجارة والسفر معها.

لا تستحق كوبا فقط رفع حالة الحصار الأميركي عنها، وإنما تستحق اعتذاراً رسمياً من البيت الأبيض على عقود طويلة من السياسات العدائية ومحاولات الغزو، فضلاً عن المؤامرات الفاشلة لاغتيال الرئيس فيديل كاسترو. إن هذه السياسات وأشكال الحصار التي فرضت على جزيرة "مزارع السكر والسيجار" لم تملها مصالح الشعب الأميركي، وإنما أحقاد عتاة المحافظين في أجهزة الاستخبارات الاتحادية والمركزية ولوبي المنفيين الكوبيين، المكون من فلول نظام باتيستا السابق في كوبا الذين كانوا قد حولوا هافانا الى كازينو قمار كبير لمتعة الأثرياء الأميركيين والى إقطاعيات تأتمر باسم "اليانكي" الشمالي الأبيض.

ولم يكن محتماً أن تلتحق كوبا بالاتحاد السوفياتي السابق، ولا أن تتبع نموذج نظامه القائم على الحزب الواحد أو اقتصاده شديد المركزية، لولا حالة العداء والحصار الأميركي تجاهها، والتي لم تترك لها خيارات متعددة.

ومهما تكن خطايا أو عيوب الرئيس الكوبي فيديل كاسترو، والتي لا تختلف عن عيوب القادة الثوريين الذين عمروا طويلاً وهم على رأس السلطة، وتحولوا الى أشباه آلهة، فإن كاسترو شكل دائماً النسيج الخاص به. وحتى عندما تبقرط وتبنى النمط السوفياتي، فقد كان فكره مزيجاً من المسيحية الطهرانية والاشتراكية، وحتى أرثوذكسيته الأيديولوجية والسياسية لم تمنعه من "التغريد خارج السرب" في عدد من المحطات التاريخية، طوال العقود التي شهدت اندماجه في المنظومة الاشتراكية.

إن صمود النظام الكوبي، بعيد انهيار الاتحاد السوفييتي وتلاشيه، يكاد يكون معجزة سياسية، بالنظر الى ما سبقه من اعتمادية مفرطة على المساعدات والمبادلات التجارية ذات الأسعار والشروط التفضيلية مع الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى. وهو صمود دفع ثمنه الشعب الكوبي، ليس لإيمانه بصواب نجاعة النظام السياسي الكوبي، وإنما على الأرجح بدواعي الكبرياء الوطني ورفض الانحناء للسياسة الأميركية. ولقد احترم قادة بلدان أميركا اللاتينية ميراث الرئيس السابق فيديل كاسترو وقادة كوبا الحاليين، حتى عندما كانوا يختلفون معهم، ليس فقط لمكانتهم التاريخية كقادة لثورة شعبية ألهمت شعوب القارة الأميركية الجنوبية، وإنما أيضاً لأنهم جسدوا معاني الكرامة والكبرياء والسيادة الوطنية التي لم تنحن، رغم اشتداد المصاعب عليهم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

من الغريب أن تتأخر مبادرة الرئيس الأميركي "المختلف"، وصاحب شعار "التغيير"، لفتح صفحة جديدة مع كوبا حتى الآن. ومن سخرية التاريخ أن الحصار الأميركي على كوبا، بدعوى الحيلولة دون "تصدير الثورة" الى أميركا اللاتينية، لم يفشل فقط في اقتلاع النظام السياسي الاشتراكي من كوبا، بل انه فشل في وضع حد لتحول عدد متزايد من بلدان أميركا الجنوبية نحو اليسار، ومن صعود أحزاب يسارية، واشتراكية ديمقراطية، الى السلطة، بعضها كان يخوض حرب عصابات وأدغال لعشرات السنوات ضد أنظمة استبدادية دعمتها المخابرات المركزية والاحتكارات الأميركية بالمال والسلاح.

آن الأوان لطي صفحة منسية من صفحات زمن الحرب الباردة. فهل يفعلها باراك أوباما ويعيد العلاقات الطبيعية مع كوبا؟ ومتى؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقاله تحليليه جميله (ع ح)

    الخميس 2 نيسان / أبريل 2009.
    تحليل منطقي والكاتب معروف بتحاليله العلميه الصحيحة وشكرا