مصالحة المالكي مع البعثيين: شكوك من أهدافها

تم نشره في السبت 14 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 

لا يشكك كثير من العراقيين في أهمية المصالحة الوطنية بالنسبة الى إعادة التوازن الى العتلة السياسية العراقية المختلة. فالمصالحة التي دعت إليها القوى السياسية العراقية وأطراف إقليمية ودول أجنبية بينها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ظلت تمثّل طوال السنوات الخمس الماضية، أحد أهم الشروط اللازمة لإعادة لحمة الوحدة الوطنية الى العراق وبناء دولته الجديدة، المتوازنة والمستقرة والمزدهرة، في مرحلة ما بعد العهد العراقي السابق.

مع هذا، تشكك أوساط عراقية عدة في الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على صعيد التصالح مع البعثيين، أو القوى القريبة من حزب البعث المنحلّ في العراق، أو على صعيد إعادتهم الى العملية السياسية العراقية كحزب سياسي أو كأفراد يتعهدون بعدم العودة الى النشاطات المسلحة ضد الدولة العراقية، أو كمجموعات تتعهد بالعمل السياسي المعارض تحت يافطات سياسية غير بعثية.

في هذا الإطار، لا تعترض الأوساط العراقية، بما فيها أوساط في الHئتلاف العراقي (الشيعي) الموحد الحاكم، جهود المصالحة الحكومية مع كل المكوّنات السياسية في العراق بما فيها المكون البعثي. لكنها، تعبر في الوقت عينه، عن مخاوف عدة خلاصتها أن الطريقة التي يقود بها المالكي عملية المصالحة  قد لا تهدف سوى الى تحقيق ثلاثة أغراض أساسية:

الأول، الاقتصار على التصالح مع البعثيين وحدهم، أفراداً ومجموعات وعشائر، وتجنب التعامل مع المفهوم الأوسع للمصالحة الوطنية الذي يشمل التصالح مع كافة الأطياف السياسية بين المكوّن السنّي العربي. في رأي تلك الأوساط، لا يقتصر التغييب الحاصل بحق هذا المكوّن العراقي على تغييب البعثيين عن المشهد السياسي العراقي، إنما يشمل التغييب نسيجاً من القوى السياسية الفاعلة يمتد من قوى إسلامية وعلمانية الى قوى قومية وديمقراطية وعشائرية. عدد من هذه القوى يقف في المعارضة، داخل البرلمان، من دون الإندماج كلياً في العملية السياسية. عدد آخر منها يقف في صف المناوئة السياسية والمسلحة، أي خارج أطر العملية السياسية العراقية برمتها. أما البعثيون، أو بقايا البعثيين بحسب وسائل الإعلام الحكومي، فإنهم لا يشكلون، على الأقل في الوقت الراهن، سوى طيف محبط وضيق ومنكمش على ذاته، ما يعني أن التصالح معه لا يمكن أن يعني تصالحاً مع المشهد السياسي الحقيقي للمكوّن السنّي العربي.

الأنكى، في هذا الاتجاه، أن تهدف المصالحة على طريقة المالكي الى تشديد التوترات والصراعات بين أطراف المكوّن السني العربي العراقي، خصوصاً بين أجنحة البعثيين والحزب الإسلامي العراقي وجبهة التوافق والعشائر والقوى القومية العربية. في هذا الإطار، لا يستبعد البعض أن تكون العملية الإرهابية الأخيرة في أبو غريب، غرب بغداد، إشارة الى مقدمات الانجراف الى صراع كهذا.

الثاني، استثمار المصالحة مع البعثيين والقريبين من دوائرهم، في الانتخابات البرلمانية المقبلة لصالح المالكي وضمان كسبه لأصوات قطاعات عراقية جديدة تضمن له الاحتفاظ برئاسة الوزراء بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في نهاية العام الجاري. في الواقع، هناك أكثر من مؤشر يؤكد أن المالكي يعتزم الانفصال بشكل نهائي عن قائمة الائتلاف (الشيعي) بغية تشكيل قائمة انتخابية مستقلة. يشار الى أن حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي خاض انتخابات مجالس المحافظات التي جرت نهاية العام الماضي بقائمة مستقلة (ائتلاف دولة القانون) نال من خلالها أكثرية لافتة في تسع محافظات عراقية في الجنوب والوسط. لا يستبعد كثير من المراقبين أن يكون الفوز في المحافظات شجّع حزب الدعوة على تأسيس قائمة برلمانية خاصة تتميز عن بقية القوائم الشيعية بدعوتها الى التصالح مع البعثيين وكبار ضباط الجيش العراقي السابق، ما يضمن للحزب الحصول على أصوات مؤثرة من داخل المكون السنّي الذي يعاني تشتتاً سياسياً واضحاً.

الثالث، تعميق الشراكة السياسية بين حزب الدعوة والبعثيين في ما يتعلق برغبتهما في بناء دولة مركزية قومية عربية يتم فيها التنغيم بين الدين والسياسة. معروف أن الاختلاف الأساس بين حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى الذي يقوده السيد عبدالعزيز الحكيم هو تركيز الحزب على ارتباط الإسلام بالقومية السياسية العربية، فيما يركز الحكيم على لا قومية الدين وأطره الأنسانية الواسعة. في هذا الصدد، سيشكل التحالف مع بقايا البعثيين، المهووسين بمركزية الدولة وسلطاتها اللامحدودة، قاعدة أساسية لإنطلاق المالكي نحو تحويل تطبيق طروحاته الداعية الى بناء دولة مركزية قوية على حساب الأقاليم.

رابعاً، التضييق على الاستحقاقات الدستورية الكردية خصوصاً في ميدان الفيدرالية والمناطق المتنازع عليها وقانون النفط والغاز. الأكيد أن المالكي يعرف مقدار الكره بين البعثيين والأكراد نظراً لتاريخ العلاقات السوداء بين الطرفين في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين. في الوقت عينه، يشعر بصعوبة ضمان دعم بقية الأطراف الشيعية لجهوده الرامية الى الوقوف في وجه الأكراد. لهذا يعتقد، بحسب أطراف تعارض سياساته في ميدان المصالحة مع البعثيين، أن استنهاض الدور البعثي يساعده في تركيز العمل للوقوف في وجه الاستحقاقات الدستورية الكردية. في الواقع، توضّحت الملامح الأولية لهذا التوجه في تصريحات أدلى بها، قبل أيام، بعثيون سابقون في بغداد شددوا فيها على ضرورة المصالحة بين البعثيين والحكومة العراقية الراهنة بغية تمكين الحكومة من الوقوف في وجه (دعاة تقسيم العراق على أسس فيدرالية).

فيما المالكي يشدد على ضرورة المضي في النهج الخاطئ الذي اختاره للمصالحة الوطنية في العراق، تبرز أسئلة عديدة تشير الى صعوبات وعراقيل جمّة قد تعترض طريق رئيس الوزراء العراقي ونهجه التصالحي: هل يمكن لمجموعات بعثية حقيقية أن تتجاوب مع المالكي في إطار الوضع العراقي الراهن الذي ترتبط فيه بغداد باتفاقية أمنية وسياسية مع واشنطن؟ هل يمكن لباقي الأطراف الشيعية، داخل الائتلاف العراقي (الشيعي) الحاكم أو خارجه، أن يؤيدوا مسعى التصالح مع البعثيين؟ ماذا عن الدستور العراقي الدائم الذي ينصّ صراحة على حلّ حزب البعث وحظر عودته للنشاط القانوني في العراق؟ ماذا عن البرلمان العراقي وموقعه وضرورة الحصول على موافقته في عملية تصالحية كهذه؟ ثم، ماذا عن الأكراد؟ وعن إيران؟ وعن الأميركيين الذين لا يعترضون على عودة البعثيين المعتدلين للعمل السياسي في أطر غير بعثية، لكنهم، بالتأكيد، يعارضون عودة حزب البعث، أو رموزه المعلومة، الى أي مفصل من مفاصل الحكم العراقي؟

في كل الأحوال، تكتنف طريقة المالكي في المصالحة أسئلة كثيرة. الأرجح أن تشكل الإجابة عنها مدخلاً لأزمة سياسية جديدة في العراق.

التعليق