د.أحمد جميل عزم

على ماذا نندم؟

تم نشره في الجمعة 13 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

إننا في العالم العربي أكثر عرضة لأن نندم "لأننا لم نفعل"، فلنجرّب شيئا في الحياة، فالحياة لا شيء من دون تجارب

قال لها عندما التقاها على مائدة الإفطار في ركن مشمس في فندق صغير في مدينة صغيرة في أوروبا الشرقية، في الصباح التالي لاختتام مؤتمر جمعهما صدفة، وقبل أن يذهب كل لطائرته، لقد بهرتني عندما التقينا، وسيطر عليّ جمالك، وحقيقة لقد أحببتك حينها. فابتسمت بسرور وقالت: وهل جئت لتقول لي هذا بعد أكثر من 35 عاماً؟

فرد باستفسار لا يخلو من لهفة.. وماذا كان سيكون موقفك؟ قالت ودرجة محدودة من الجذل تخالط صوتها، ربما لا شيء، ربما كنت سأشكرك لأنك امتدحت جمالي، وربما كنت سأجعلك تعرف ضمنا أنني أكتفي بذلك، وربما كنت سأقول لك شاكرة أن علاقتنا ما كانت لتتجاوز ذلك ولتتجاوز الصداقة والزمالة، ولكن ما أعرفه أيضا أنك ما كنت لتندم لو عبّرت عن مشاعرك وأخبرتني آنذاك، وأني ما كنت لأغضب، وأنك لن تبقى تتساءل كل هذه السنوات ماذا سيكون موقفي؟ ومن يدري حقيقة ما الذي كان سيحصل؟

**

على هامش مؤتمر آخر في دولة خليجية، التقيا، وكان الأول يوما مسؤولا عن الثاني في العمل  وكان يمنعه من كثير من النشاطات العامة، مثل الكتابة في الصحافة والتدريس في الجامعة، مستغلا حاجة الأخير للعمل لإتمام دراسته العليا، بينما كان الثاني يتمرد حينا ويصمت حينا، وكان يوجه النقد للأول مباشرة بينهما حينا وفي أوساط عملهما أحيانا أخرى، ويتهمه بحب السيطرة وباستغلال المؤسسة المؤتمن عليها من قبل أصحابها المسافرين لأغراض شخصية وعائلية. وسأل الأول الثاني، ألم تندم على ما كنت تقوم به من تحدٍ وعناد؟

وألم تكتشف أنك كنت تظلمني، وأنّه أفضل لنا كلينا لو لم تقع تلك الإشكاليات بيننا؟ فرد الثاني بسرعة، لقد فكرت بذلك طويلا في السنوات الفائتة، فلقد كان ما قمت أنت به سببا في تغيير مسار حياتي وحرمني فرصاً كثيرة كانت تنتظرني لولا حبك للسيطرة والشك الزائد بمن حولك، لذلك فإني في الواقع لا أندم على ما فعلت ولكني أندم على ما لم أفعل، وكان يجب أن أتحداك أكثر وليحصل ما يحصل.

هاتان القصتان الواقعيتان، وكثيرة مثلهما، تؤكد لي يوميّا أن الكثير من الناس لا يندمون على شيء فعلوه بقدر ما يندمون على ما لا يفعلونه. وليراجع كثير منا حياته ليجد كثيرا مما يندم لأنه لم يفعله، وغالبا أكثر من ندمه على أشياء فعلها. سواء أكان ذلك على شكل قطعة أرض لم يشترها، أو فرصة للدراسة لم يستغلها، أو كلمة حق أو حب لم يقلها.

وقادني التفكير المستمر بحالات من هذا النوع إلى فرضية، تحتاج لمن يثبتها، بأننا في العالم العربي أكثر عرضة لأن نندم "لأننا لم نفعل".

فالسلطة الاجتماعية لدينا ممثلة بمعايير العيب والحرام والخوف من نظرة المجتمع وردود فعل الآخرين وصورتنا الاجتماعية، كلها تكبلنا بأكثر مما يحدث في أمم أخرى، والأنكى من أنّها تمنعنا من فعل ما نريد، لأسباب واهية، أنّها تجعلنا أحيانا نفعل ما لا نريد. كما تمنعنا السلطات السياسية وممارسات أجهزة الأمن من السياسة ومن حرية التعبير.

**

تحضرني قصة إبراهيم نصرالله، الروائي والشاعر، المرشح لنيل جائزة دولية جديدة مرموقة خلال أيّام، عندما روى في أحد كتبه، كيف قرر هجر العمل في الصحراء البعيدة، وترك التدريس والتفرغ للكتابة رغم حاجته الماسة للعمل والراتب، وذلك يوم قرأ رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس)، التي تروي قصة رجال ماتوا اختناقا ومن حرارة الصيف، في قلب صهريج على نقطة الحدود الكويتية، اختفوا فيه ليتم تهريبهم ليحصلوا على "لقمة الخبز"،.. يوم قراءته الرواية أدرك نصرالله، أنّ هؤلاء الرجال تركوه خلفهم في الصهريج، وأنّ عليه أن يدق الصهريج وأن يخرج ..

وبعد سنوات، سأله زملاؤه الذين كانوا يعملون معه وحاولوا ثنيه عن قراره ترك العمل: "كيف استطعت الإفلات من تلك الشباك التي سقطنا فيها إلى الأبد؟".

أذكر صديقا في سنوات الجامعة، تبدو معالم الرتابة والملل تملأ وجهه. يوماً انفجر والده الصحافي المعروف بسبب واقع ولده، وقال له: يا أخي اذهب وتفاعل مع الحياة، ادخل حزبا مثلا، سواء أكان إسلاميا أم شيوعيا، (وكانت الأحزاب ممنوعة)، ولكن جرّب شيئا في الحياة، فالحياة لا شيء من دون تجارب.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (وليد)

    الجمعة 13 آذار / مارس 2009.
    فعلا نحتاج لان نجرب ولا ندم