كيف تحل مشكلة نقص السيولة؟

تم نشره في الخميس 12 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

قلنا في مقالة سابقة إن التوجه نحو دعم القطاع المصرفي في الدول الغنية لتأمين السيولة له ما يبرره من الناحية الاقتصادية، فالسيولة هي شريان الحياة الاقتصادية، ونقصها يؤدي الى تجميد النشاطات الاقتصادية وخلق حالة من التباطؤ وهي التي نمر بها الآن، تتطور الى حالة من الركود  المرشح للتفاقم.

في الولايات المتحدة وأوروبا فإن الحكومات باتت تمتلك نسبا متفاوتة في القطاع المصرفي، تلك الحكومات تضخ البلايين في السوق لضمان توفير السيولة لكافة القطاعات على أمل تجنب الأسوأ. محليا الحكومة والبنك المركزي ليسا في وضع يسمح بضخ المزيد من السيولة، فما الذي يمكن عمله؟

الإقراض للأفراد ليس هو المشكلة، بل إن الأزمة تتعلق بالإقراض المؤسسي، فالمؤسسات الناجحة والتي لها تاريخ وملاءة مالية عالية لم تعد قادرة على الاقتراض بنفس الشروط التي كانت سائدة الى ما قبل ثلاثة أشهر، إذ قامت العديد من البنوك بخفض سقف حساب الجاري مدين لأفضل عملائها، ورفعت أيضا أسعار الفائدة موجهة بذلك ضربة مزدوجة لهذا النوع من العملاء، كذلك تم إلغاء الكثير من الكفالات والضمانات، ولم يعد البيع على المكشوف، أو منح تسهيلات قصيرة الأمد محليا وخارجيا (ثلاثة شهور في العادة) متاحا كما كان الحال عليه. ويحدث هذا لسبب وحيد يتعلق بالتوقعات السيئة للأداء المالي لهذه المؤسسات، رغم أن ذلك ليس بالضرورة صحيحا، لكن المصارف والبنوك تتحوط بشكل مبالغ فيه خوفا من الأسوأ.

وهذا "الأسوأ" هو ما يمكن أن يقع إذا لم يكن هناك سياسات نشطة لضخ المزيد من السيولة في السوق من خلال الأدوات غيرالمباشرة التي يمتلكها البنك المركزي، فعلى سبيل المثال، هناك ما يقارب 1.4 بليون دينار في نافذة الإيداع تودع من قبل البنوك التجارية، تلك البنوك تفضل إيداعها في البنك المركزي بفائدة 4 في المائة بدلا من إقراضها بضعف ذلك السعر. لذلك فإن التفكير بخفض فائدة النافذة بنسبة 50 في المائة (2 في المائة)  يعتبر أحد الخيارات الممكنة، وهو سيشجع البنوك على الإقراض وسيوفر على الخزينة فارق الفائدة التي يدفعها المركزي.

ويمكن أيضا تشجيع المؤسسات الناجحة والبنوك المساهمة العامة لزيادة توزيع نسب الأرباح عن العام الماضي، بدلا من التحوط الشديد الذي تتبعه تحسبا للتراجع في العام الحالي، وهذا من شأنه زيادة النقد المتاح في أيدي الجمهور، بدلا من اقتطاعه كمخصصات والإبقاء عليه في خزائن البنوك في الوقت الذي يحتاجه السوق.

وإذا كان الهدف تنشيط القطاع الخاص فإن على الحكومة محاولة الحد من الاقتراض المحلي عبر سندات الخزينة، فالاقتراض الذي بلغ مستويات مرتفعة يشكل عنصرا منافسا للقطاع الخاص، فالحكومة مضمونة وتوفر سعر فائدة مرتفع يتراوح ما بين 8-9 في المائة، والبنوك تفضل ذلك على القطاع الخاص غير المضمون، والفارق لا يشكل حافزا كافيا للإقراض.

النقطة الأخيرة في هذه العجالة تتعلق بسعر الفائدة المرتفع محليا، فالتضخم لم يعد الهم الأول، وسعر الفائدة المرتفع يشجع على الادخار، ومن شأن خفض الفائدة على الأدوات غير المباشرة ترجمة ذلك الى خفض للفائدة على الودائع وهو ما سيشجع على الاستثمار بدلا من الادخار، الذي هو آخر ما نحتاج هذه الأيام.

هذه الجملة من المقترحات لن تشكل عبئا ماليا على الحكومة، بل على  العكس تماما يمكن أن توفر سيولة إضافية وإذا نجحت بتحريك النشاط الاقتصادي فيمكن أن تزيد من إيرادات الخزينة التي تراجعت خلال الشهرين الماضيين. والحلول الأخرى لها تبعات مالية، مثل تخفيض ضريبة المبيعات على بعض السلع، لكن هناك الكثير الذي يمكن فعله قبل ذلك؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى الأخ منهل مطر (ابراهيم سيف)

    الخميس 12 آذار / مارس 2009.
    أشكرك على التعليق ، أما تساؤلك حول نسبة 2 في المائة، فهي تشكل تخفيض بنسبة 50 في المائة عن المعدل السائد حاليا، وهي تتضمن رسالة الى البنوك حول نية المركزي تحرير المزيد من السيولة.
    وكافة المقترحات الواردة في هذه المقالة تعتبر توطئة لنقاشات متعمقة يتسارك فيها صناع القرار مع المصارف مع المتضررين من الأزمة المالية. ولا يوجد فيها حلول نهائية أو إجابات قطعية ولكن الإعتراف والإقرار بوجود أزمة هو الخطورة الأولى العملية لبداية الحل.
  • »اسعار الفائدة (منهل مطر)

    الخميس 12 آذار / مارس 2009.
    على الرغم من الاتفاق من حيث المبدا على معظم ما ورد في هذه "العجالة" الا انني احتاج الى رد مقنع على السؤالين التاليين والذي بغيره سيجعل مما كتب موضوعا انشائيا وليس اقتصاديا. الاول هو لماذا 2% وليس 1 او حتى صفر بالمائة؟
    اما الثاني فهو الا ترى بان تباطؤ النمو الاقتصادي هو ما يدفع البنوك الى تخفيض التوزيعات النقدية وليس الرغبة بالاحتافظ بالسيولة ؟ ان البنوك لا تذهب الى الارباح الاقل طوعا على ما اعتقد
  • »البنك المركزي الأردني في مأزق (زياد الباشا)

    الخميس 12 آذار / مارس 2009.
    الرجاء مراجعة النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي لتلاحظ أن التسهيلات الممنوحة من البنوك بالدينار تزيد عن الودائع بالدينار بحدود 3 مليار دينار.فالسلطة النقدية أغفلت معالجة النمو غير المبرر وغير النسبوق للتسهيلات الإتمانية.نحن في وضع صعب وهذا يبدو من قرار البنك المركزي بتخفيض سعر إعادة الخصم الى 5.75%. فهو يخاف من هروب الودائع بالديناوإنكشاف حساسية الوضع.دزامية طوقان في ورطةوابلنوك في ورطة أكبر من سلامة التسهيلات القائمة وقدرة المقترضين على الوفاء بتسديد ما عليهم من قروضو تسهيلات. شكرا