كيف نبني الأسواق التي نحتاج إليها؟

تم نشره في السبت 7 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

 

 إن التحدي الأعظم الذي تنطوي عليه الأزمة المالية يتلخص في استحالة تفَهُم أبعادها المتعددة والتعامل معها على النحو اللائق. والحقيقة أن النمط الذي تنتشر به المشاكل يكاد يبدو وكأنه غير قابل للسيطرة على الإطلاق. فقد ظلت خطط مواجهة الأزمة في بلد تلو الآخر تخضع للتعديل والتنقيح مراراً وتكراراً، واستنفدت النماذج القديمة في كيفية فهم الاقتصاد الغرض منها، فأصبحت الحكومات في مختلف أنحاء العالم ملزمة باتخاذ قرارات جوهرية بشأن طبيعة مؤسساتها الاقتصادية ومجتمعاتها في المستقبل.

في البداية، تطورت أزمة الرهن العقاري الثانوي التي نشأت في أوائل صيف 2007 إلى أزمة مالية، ثم تحولت في النهاية إلى ركود. وسرعان ما نشأت مشاكل اقتصادية جديدة لكي تضيف إلى المشاكل القائمة: فارتفعت أسعار الطاقة والغذاء ثم هبطت بنفس السرعة التي ارتفعت بها، وأصبحت المخاطر المرتبطة بتغير المناخ أوضح من أي وقت مضى؛ وبات التحرك من أجل علاج سوء توزيع السلطة السياسية العالمية أمراً واجباً.

وفي خِضَم الأزمة أثبتت الاضطرابات الاجتماعية الأخيرة التي شهدتها اليونان ولاتفيا ولتوانيا أن الاستقرار السياسي أصبح الآن مهدداً حتى في الاتحاد الأوروبي. وفي مختلف أنحاء العالم أصبح النسيج الاجتماعي مشدوداً إلى حد التمزق. ولقد تعززت المخاوف، بفعل الافتقار العام إلى الأرصدة المالية اللازمة، بين مجموعات ضخمة من الناس الذين لم يسهموا بأي قدر في خلق أزمة اليوم ولكنهم رغم ذلك يتحملون كل الآلام الناجمة عنها.

إن كنا راغبين في تفادي الأسوأ فإن التغيير الجذري ليس ضرورياً فحسب، بل ولا مفر منه. لذا، يتعين على الساسة في كل مكان أن يقوموا بواجبهم وأن يمارسوا الزعامة المسؤولة. ويتعين علينا أن ندرك أن السبيل الوحيد للحفاظ على الانسجام السياسي والاجتماعي يتلخص في الجمع بين الهدوء الفولاذي والتجريب الجريء.

إن اضطلاع البنك المركزي الأوروبي بمهمة الملاذ الأخير للإقراض بالنسبة لبلدان منطقة اليورو كافة، على سبيل المثال، من شأنه أن يمنح الحكومات الأوروبية المنكوبة الفرصة لالتقاط الأنفاس. ولكن الأمر سوف يتطلب إصلاحاً نقدياً عالمياً للنظام الأساسي بهدف تصحيح الاختلال في التوازن بين البلدان التي نجحت في جمع الفوائض والبلدان التي تعاني من العجز، وبين المدخرين السعداء وأولئك الذين أنفقوا بما يتجاوز مواردهم، وبين الأثرياء والفقراء.

لن تتحقق هذه الغايات بلا معاناة. إذ إن البعض من هؤلاء الذين قادوا العالم إلى هذه النقطة الخطيرة بسبب أدواتهم المالية السامة والمضاربة بلا وازع من ضمير أو أخلاق قد تنتهي بهم الحال إلى الاستفادة من هذه الإصلاحات. فليكن إذن، ولا مانع من إرجاء المحاسبة الأخلاقية، وربما القانونية، إلى ما بعد عودة الاقتصاد إلى النمو.

ولكن بينما تُبحِر الحكومات عبر هذه المناطق المجهولة فيتعين عليها ألا تكف عن مساءلة أنفسها، ولابد من التعامل مع الافتراضات كافة وتقييمها، واستكشاف نقاط الانطلاق الجديدة، وتطوير الأدوات الجديدة للوصول بها إلى الكمال. ولابد من تعزيز الآليات التي تحكم دولة الرفاهية، ومنع السياسات العامة من الإذعان للقطاع المالي، بعيداً عن الحاجة إلى خطط الإنقاذ.

إن أسواق اليوم التي تحكمها العولمة تحتاج إلى قواعد تضع في اعتبارها المصلحة العامة في كل بلد ومنطقة من العالم. ورغم أن هذا قد يكون واضحاً إلا أن القرار الذي نواجهه اليوم بالفعل أكثر جوهرية: فعلينا أن نختار بين الإصلاح الاقتصادي والنقدي على مستوى العالم وبين الحروب والثورات. بعد مرور عشرين عاماً منذ وصل العالم إلى "نهاية التاريخ" كما افترض البعض، فما نزال في مواجهة منعطف تاريخي آخر. والآن أصبح الخيار الوحيد أمامنا إما أن ندون سطور هذا التاريخ بأيدينا أو ننزلق إلى حقبة مظلمة من المعاناة والآلام التي كان بوسعنا أن نتجنبها.

*ألفريد غوسينباور كان رئيساً لوزراء النمسا أثناء الفترة من 2007 إلى 2008.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

التعليق