إبراهيم غرايبة

الغوغائية الإلكترونية

تم نشره في الجمعة 6 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

عندما تجد قضيةٌ عامة أو شخصية متحمسين لها، تتحول إلى قضية رأي عام يصعب مواجهتها، وإذا كان ذلك مفهوما في القضايا العامة، فمن الظواهر التي يجب الالتفات إليها والتوقف عندها كثيرا استخدام الإنترنت والبريد الإلكتروني في قضايا شخصية وصغيرة.

وبالطبع فإنه يصعب إقناع المتحمسين لقضية شخصية بالتخلي عن الجهود الكبرى التي تبذل باستخدام الإنترنت، فأولئك الناس يملكون من الدوافع المبررة أو غير المبررة لخوض المعارك والحملات، واللعبة لها سيئاتها وحسناتها بالطبع، ولكن مع حداثة دخول الإنترنت في حياتنا، فقد صارت الانتصارات الشخصية عبئا يواجهنا ويثقل حياتنا وأعمالنا، لأنك بحاجة لقراءة عدد كبير من الرسائل، أو التعاطي مع قضية تكبر وتتخذ بعدا عاما ومهنيا برغم أنها شخصية، أو مواجهة عمليات تغيير الأفكار وصنع المواقف والقرارات والضغوط التي تجري بكثافة هائلة، والمسألة كلها برمتها لعبة المتحمسين الذين يملكون الوقت والدوافع والمصالح لإشغال الناس بهموم وأفكار ومشكلات وأخبار ومعلومات، لدرجة جعلت الموبايل والبريد الإلكتروني مصدرا للضغوط وهدرا الوقت، بدلا من أن تخفف الأعباء وتسهل الأعمال والحصول على المعرفة والمعلومات.

كم يتلقى أحدنا من رسائل بالموبايل والبريد الإلكتروني؟ وكم نسبة ما نحتاجه منها؟ كيف نبني أفكارنا ومواقفنا تجاه أفكار وانطباعات ومعلومات تقدم من خلال الإنترنت؟

المشكلة الأكثر تعقيدا وخطورة أن الإنترنت والاتصالات يمكن أن ترفع من شأن قضايا وانطباعات وتعتم على أخرى، وتمنح في كثير من الأحيان شعورا زائفا بالرضا والقناعة، أو تعطي فكرة غير صحيحة، فالعالم الافتراضي يجب أن تحكمه قواعد من الأفكار والتقييم والتقاليد مختلفة تماما عن العالم الحقيقي/ غير الافتراضي، وربما تشبه الحالة هذه ما تشكل لدى الناس من علاقة مع التلفزيون في المراحل الأولى من دخوله إلى حياتنا، فقد كان يجري التعامل مع الصور والأحداث والمجريات التلفزيونية على أنها واقعية، ليس لأننا نصدق أنها واقعية ولكنها تؤثر في عواطفنا ومشاعرنا على نحو غير واقعي، وتلك لعبة يعرفها المشتغلون بالإعلام والعلاقات العامة، وربما تصلح موضوعا لمقالة أخرى.

صحيح أن تأثير الصورة قد تراجع كثيرا مع تطور التقنيات وفرص التصوير والمونتاج التي أتيحت لمعظم الناس من خلال الكاميرات الشخصية والموبايل أيضا، ولكنا ندخل اليوم في مواجهة مسرحيات وأفكار "افتراضية" تؤثر في قراراتنا ورؤيتنا ولكن من دون مداخل صحيحة وموضوعية للتفكير واتخاذ المواقف والقرارات، التصويت مثلا عبر رسائل الموبايل على المغني أو الشاعر الأفضل! فقد نسينا أنها حيلة استثمارية لشركات الاتصالات لنتخذ رؤى ومواقف في السياحة والفكر والسياسة والأدب والفنون والغناء والموسيقى والمسابقات الثقافية.

فما الصواب وما الخطأ؟ لقد أصبح من الصعب معرفة ذلك، وبرغم سهولة وتطور الاتصال والتواصل فقد زادت المشكلة والشكوك، حتى لم نعد نعرف حقيقة ما يجري من أحداث، بل يمعن البعض في الأسئلة عن الحروب والمعارك والأحداث الكبرى إن كانت قد وقعت بالفعل أم أنها مجرد أحداث على الشاشة والإنترنت، وفي جميع الأحوال فقد صار من المؤكد أن المشهد الذي تقدمه الفضائيات والإنترنت ليس هو المشهد الذي يجري بالفعل، ولكن هذه المعرفة لم تعد تغير شيئا من المواقف والأفكار والانطباعات، فما ليس ومن ليس موجودا في الإنترنت فهو ليس موجودا في الحياة أيضا، والناس هم كما يخبرك عنهم محرك غوغل، ولا أهمية بعد ذلك لأي معرفة أو معلومة لم يقل لك غوغل إنها موجودة.

تعلم المواقع الإلكترونية، على سبيل المثال، أن عدد القراء فكرة غير واقعية ويستطيع أحد المتحمسين أن يضاعفها مئات وآلاف الأضعاف، ولدى مخاطبة بعض أصحابها والقائمين عليها بذلك، قالوا إنهم يعرفون ذلك بالطبع، ولكنهم يشجعون الزوار على زيارة الموقع واستخدام الألعاب الافتراضية لأن هذا يجلب الزوار ويعطي فكرة مبهرة عن الموقع، ومن سيدقق في المسألة. الغباء منحة عظيمة وذكية، ومن الخطل الكبير أن تعتقد أنك قادر على العيش من دون غباء!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غباء إنشطاري ..انتشاره جنوني (HeRoN)

    الجمعة 6 آذار / مارس 2009.
    في البداية .. تحيه لك استاذنا ابراهيم

    بعد تجربة (محرزة ) مع ذلك الغباء ... توصلت الى ان هذا الذي يسمونه الإعلام الجديد
    وعصر المعلومة الجديدة
    ما هو إلا غرفة مرايا ... تدخلها فتجد الصور المعكوسة ... المشكلة هي أن هذه المرايا غير مسطحة .. وبالكثير من الاحيان غير نظيفة
    مما يجعل الصور المعكوسة منها .. غير واقعيه .. فهي تصغر الكبير وتضخم الصغير
    تظهر اليمين يسار .. واليسار يمين
    والملامح تكاد ان تكون مشوهه تماما

    لم ينتج هذا العصر الإلكتروني الافتراضي .. شيئا سوى افكار مشوهه واتجاهات ملامحها معدومة وغير معرفه ... والأخطر من كل ذلك ... أزمة مفاهيم
    فكل المفاهيم التي يتداولونها فيه هلامية ... لا تنتج شيئا سوى انعدام الثقة من كل شيء
  • »في النهاية لا يصح الا الصحيح (داود كتاب)

    الجمعة 6 آذار / مارس 2009.
    معك حق انه من السهل خداع الجمهور ولكن لفترة قصيرة ففي النهاية لا يصح الا الصحيح والانسان لا يمكن ان يخدع باستمرار من خلال المواقع المبهرة والتعليقات المؤلفة بنفس وقت كتابة الاخبار و يبقى للمصداقية اهمية كبيرة مهما كانت اداة التواصل