المشاريع الاستراتيجية بين تخبط الأمس وجفاف تمويل اليوم

تم نشره في الخميس 5 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

 

     أحد أكبر تحديات حكومة نادر الذهبي، التي تدير دفة الأوضاع الاقتصادية في إحدى أسوأ مراحل التباطؤ الاقتصادي التي مرت على البلاد منذ سنوات، هي المضي في مشاريع البنية التحتية التي ظل الحديث عنها لعقود اما في الادراج او في اللجان وعلى ألسنة المسؤولين دون ان يتم التحرك لتنفيذها.

   أسباب عدة جعلت هذه المشاريع تتأخر في الماضي كونها ضحية سنوات من التخبط الاداري والسياسات المتضاربة يضاف إليها اليوم الأزمة المالية سنوات أخرى على الأقل اعتمادا على مدى الأزمة وعمقها.

    وما يحز بالنفس اليوم ان الكثير من هذه المشاريع التي باتت اكثر الحاحا من أي وقت مضى سيصعب تمويلها من المصارف التي جف تمويلها، وحتى من مؤسسات التمويل الدولية التي لم تعد تعطي الأولوية لمشاريعنا الاستراتيجية كالماضي في خضم تفاقم المشاكل والأزمات في عقر دارها.

  

 وهذه ليست المرة الأولى التي ندفع ثمن التلكؤ في اغتنام الفرص لتضيع علينا سنوات كنا سننهي فيها مشاريع حيوية كالديسي والقطار الخفيف وميناء العقبة وقناة البحرين وغيرها. ولم يؤدي التأخر في تنفيذها سوى الى مضاعفة وتفاقم أزمات المياه والبيئة وتردي البنية التحتية التي تزداد حدة في مدننا مع النمو السكاني المتسارع.

    وبسبب انقطاع التمويل التجاري، الذي كان يعتمد الكثير من المطورين والمستثمرين عليه، فإنه بات الآن على هؤلاء توظيف أموالهم الخاصة للمضي فيها.

 وهذا بحد ذاته في حالات كثيرة استحالة تقريبا في ظروف شح السيولة التي يعاني منها القطاع المصرفي. وبدأنا نرى كيف توقفت المشاريع التي تعتمد على التمويل البنكي.

   ويبقى بصيص أمل للحكومة في قدرتها على التفاوض مع بنوك التنمية الدولية والجهات المانحة التي كانت تدفعنا في اتجاه تنفيذ بعض هذه المشاريع في السابق لاعتبارات سياسية، ولكن تخبط إداراتنا أعاق استفادتنا من الفرص التي توفرت آنذاك.

 وهي مهمة صعبة الآن لأن هؤلاء الممولين انفسهم اليوم باتوا أكثر ترددا وأقل حماسة في السير ليس أقلها أولويات جديدة تجعلنا في ترتيب اقل من السابق.

   وجانب من اللوم في فشل إتمام هذا المشاريع انهماك متخذب القرار في سنوات الطفرة التي ولت في تشجيع نمط استثماري نرى اليوم كم كان مبالغا التركيز عليه.

    وكان السعي لخلق نموذج مصغر لإمارات النفط التي بعضها بات الآن يغرق في ديونه على حساب الانتباه الى تلك المشاريع الاستراتيجية التي تخدم أجيالنا وتعمل على تحسين بيئة الحياة لأكثر من خمسة ملايين مواطن.

  وركزنا على الشكل وغاب عنا تطوير مشاريع بنية تحتية أساسية في أطراف العاصمة والمدن الفقيرة التي تعاني الآن من شح الاستثمارات الرأسمالية لتطوير قطاعات المياه والاتصالات والنقل.

  انهمكنا في تشجيع المشاريع العقارية التي باتت أولى ضحايا الأزمة المالية والتي كانت أصلا ستفاقم مشاكل ضعف البنية التحتية والبيئة؛ كالمشاريع التي بنيت على نموذج خليجي به وفرة من الماء المحلي والطاقة التي لا نملكها ولا بد في ظل البنية التحتية الحالية لمدينة عمان ان تشكل ضاغطا كبيرا على مواردها.

    وهكذا كانت أولوياتنا تذهب الى جسر عبدون ومطبات الأثرياء في أحيائنا وأغفلنا تحديث شبكات الصرف الصحي التي تفجرت في شوارعنا الرئيسية، وخير دليل على ذلك موجة الأمطار الغزيرة الأخيرة التي كشفت المستور عن رداءة بنيتنا التحتية والحاجة الماسة لتحديث الخدمات الحيوية في مناطق الكثافة السكانية التي باتت اليوم تعيش أسوأ أحوالها.

  وهكذا ندفع ثمن التخطيط العشوائي وغياب الحس الوطني لحكومات متعاقبة وجهت المخصصات لاعتبارات المصلحة المناطقية الخدمية دون النظرة الشمولية.

وكل هذا في سياق التناحر وضعف الإدارة وبعض (او كثير) من الفساد الاداري وكل حسب الحالة والذي جعلنا لا زلنا نتحدث عن تنفيذ مشاريع كنا نتحدث عنها منذ عقود دون ان ترى النور للآن.

ولازلنا نتفوه بنفس مفردات الإغلاق المالي ومواعيد إغلاق العروض ولا نرى إلا تأجيلا تلو تأجيل لا غرابة حدوثه الآن بعد ان حصدت الازمة المالية ضحاياها لتضيف تأخيرا جديدا على الذي دام عقودا!

sulaiman.khalidi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مختصر مفيد (ابو السعود)

    الخميس 5 آذار / مارس 2009.
    قد يكون هناك بعض المبررات للتاخيرات الحاصله ولكن بمراجعه الموقف كما في المقال نجد ان سوء الاداره قد افقدنا الكثير وليس بالوسع الان سوى الاستفاده من الاخطاء