تحضيرات أميركية لمرحلة ما بعد سحب القوات من العراق

تم نشره في السبت 28 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

من المتوقّع أن تعلن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، في غضون الايام والاسابيع القليلة المقبلة، موقفاً محدداً وواضحاً في شأن الجداول الزمنية الخاصة بسحب القوات العسكرية الأميركية من العراق. أكثر من مصدر عراقي مطلّع يؤكد أن الرئيس أوباما جاد بالفعل في تنفيذ وعوده المتعلقة بسحب قوات بلاده، لكن التأخير الحاصل في إعلان الجداول الزمنية يعود الى نقاشات أميركية، خصوصاً في الأوساط العسكرية، تتعلق بإدخال تعديلات على المواعيد السريعة التي كان أعلن عنها الرئيس أوباما خلال حملته الانتخابية. معروف أن الاتفاقية الأمنية المشتركة بين واشنطن وبغداد تقضي بسحب القوات الأميركية من المدن العراقية في فترة أقصاها منتصف العام الحالي، على أن يتم سحب آخر جندي أميركي من العراق في غضون ثلاث سنوات. أما أوباما فإنه كان أكد في حملته الانتخابية أنه سيعمل على سحب القوات من العراق في غضون ستة عشر شهرا.

أوساط مطلعة في الحكومة العراقية أكدت أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل نشاطات ديبلوماسية وعسكرية هدفها تحضير المسرح لعمليات سحب القوات أولاً، وللمرحلة التي تعقب عملية الانسحاب ثانياً، مشيرة الى أن بعضاً من هذه النشاطات يخص الداخل العراقي، فيما يخص بعضها الآخر عواصم إقليمية عدة في المنطقة يُتوقع أن تشكل رأس جسر أساسي لعمليات سحب القوات، وللتواصل مع العراق من الناحية العسكرية في مرحلة ما بعد الانسحاب.

في هذا المنحى، لم تستبعد تلك المصادر زيارة قريبة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الى بغداد للبحث في تفاصيل مواعيد الإنسحاب وطبيعة العلاقة بين القوات الأميركية في خارج العراق ومستجدات الأوضاع الأمنية داخل العراق في مرحلة ما بعد الإنسحاب.

في الواقع، تعرف إدارة الرئيس أوباما أن مجموعات إرهابية عدة في الداخل العراقي ودول مناوئة لسياسات أميركا في الشرق الأوسط، إيران على سبيل المثال، تتأهب لاستغلال مرحلة ما بعد الانسحاب في اتجاه معاودة نشاطاتها وتدخلاتها في الشأن الداخلي العراقي. بل ان سياسيين عراقيين، أكراداً وعرباً من المكون السنّي، لا ينفون احتمال اندلاع موجات لافحة من العنف الطائفي والعرقي في العراق بعد انسحاب الأميركيين من المدن. الى هذا، لا تخفي أوساط بين المكوّن الشيعي، ممن دأبت على رفع شعارات تطالب بإنهاء سريع للاحتلال الأميركي وانسحاب فوري للقوات الأميركية من العراق، مخاوفها من مرحلة ما بعد سحب القوات. الى هذا، بدأت دول مجاورة عدة، بينها تركيا والكويت، تحثّ واشنطن على التروي في قرار سحب القوات من العراق والاستعداد الجيّد لمواجهة أي تطورات عراقية طارئة في مرحلة ما بعد سحب القوات.

لكل هذا، بدأت واشنطن تفكر في إقامة بعض القواعد العسكرية شبه الدائمة داخل الأراضي العراقية. هذا إضافة الى شروعها في استحصال موافقة دول إقليمية مجاورة للعراق على استخدام بعض قواعدها وطرقها وموانئها وممراتها الجوية الاستراتيجية لنقل الجنود والأسلحة والمعدات والآليات العسكرية الى داخل الأراضي العراقية في حالات الضرورة.

في ما يتعلق بالتحضيرات الأميركية، تشير المصادر العراقية الى قيام القوات الأميركية بتخلية عدد من مواقعها في أطراف مدينة الصدر ببغداد وفي محيط محافظة ديالى. كما أن وحدات أميركية هندسية مختصة بدأت بتحضير مواقع جديدة خارج المدن لاستخدامها كمواقع مؤقتة أو شبه دائمة داخل الأراضي العراقية. أهم هذه النقاط يقع شمال غربي مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق. وآخر يقع قرب مدينة تكريت في منتصف الطريق بين مدينة الموصل والعاصمة بغداد. وثالث يقع شمال بغداد قرب قصبة البلد في أطراف مدينة سامراء. إضافة الى موقع رابع قرب ميناء أم قصر في محيط محافظة البصرة جنوب العراق. يشار الى أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني كان قد أعلن في وقت سابق أن الإقليم الكردي يرحب بأي قرار أميركي يتعلق بإقامة قاعدة عسكرية داخل أراضي الإقليم. في ما بعد، أوضح مسؤولون أكراد أن أراضيهم جزء من العراق وأن إقامة القاعدة الأميركية في الإقليم لن تتم من دون استحصال موافقة الحكومة الفيدرالية في بغداد. 

علاوة على هذا، تنهمك وحدات أميركية أخرى من الهندسة العسكرية في ترتيب بعض المواقع داخل بغداد نفسها لانتشار وحدات أميركية محدودة تتولى تدريب القوات العسكرية والأمنية العراقية في إطار الاتفاقية الأمنية المشتركة بين الدولتين. كما تستقر وحدة عسكرية في محيط سفارة واشنطن في بغداد والتي تعتبر أكبر السفارات الأميركية في العالم.

الى هذا، تنشغل الولايات المتحدة بإمكان إقامة قواعد عسكرية جديدة في الجوار الإقليمي العراقي بغية استخدامها في تأمين مدّ قواتها المتبقية في العراق بالمستلزمات اللوجستية أو مساعدة العراقيين من الناحية العسكرية في حال أي تطور أمني أو عسكري طارئ.

في هذا المنحى، نشرت صحيفة (حريت) التركية النافذة في عددها الصادر يوم الثلاثاء الماضي أن واشنطن تبذل جهوداً ديبلوماسية مكثفة لإقناع دول حليفة لها بالسماح لها باستخدام أراضيها وأجوائها لغرض التواصل العسكري مع العراق. الى ذلك، كشفت الصحيفة أن مسؤولين أميركيين يجرون محادثات مكثفة مع كبار المسؤولين في أنقرة بغية تمديد العمل باتفاقية عسكرية مع أنقرة تقضي بالسماح للقوات الأميركية باستخدام قاعدة (أنجرليك) التركية لأغراض التواصل العسكري مع العراق، إضافة الى اتفاق آخر يعطي الأميركيين الحق في استخدام ميناء (ميرسين) على البحر المتوسط لنقل دبابات وآليات ومركبات عسكرية أميركية الى الحدود الشمالية للعراق.

يشار الى أن البرلمان التركي كان قد رفض، في مارس (آذار) عام 2003، الموافقة على مرور قوات أميركية برّية عبر أراضيها لشن الحرب ضد نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين. كما رفض السماح للحكومة التركية بإشراك الجيش في تلك الحرب، ما أدى الى دخول العلاقات الأميركية التركية في مرحلة فتور.

معروف أن الرئيس أوباما أكد في تصريحات سابقة أن الحرب الاساسية ضد تنظيم القاعدة الإرهابي هي تلك التي تجري في أفغانستان، ما يعني أن الضرورة تقتضي بنقل قوات أميركية إضافية الى هناك بالتزامن مع تخفيف القوات في العراق. لكن بعضاً من كبار الضباط في المؤسسة العسكرية الأميركية عارضوا هذا التوجه، وأكّدوا أن الاستراتيجية الجديدة للرئيس أوباما إزاء العراق، يجب أن تأخذ في الاعتبار أموراً عدة:

الأول، التروي في سحب سريع وعشوائي للقوات الأميركية من العراق. الثاني، إقناع الدول الأعضاء لحلف الناتو بزيادة قواتها في أفغانستان لموازنة النقص الحاصل هناك وإنتفاء الحاجة الى قوات أميركية إضافية. ثالثاً، ترتيب الداخل العراقي والخارج الإقليمي المجاور للعراق بشكل يسمح باستيعاب مواقع وقواعد لانطلاق القوات الأميركية نحو العراق في حال الضرورة. فالوضع الداخلي العراقي، بحسب الضباط الأميركيين، هشّ للغاية على صعيديه السياسي والأمني، وأن هذه الهشاشة تتطلب تعاوناً عسكرياً إقليمياً مع الولايات المتحدة لحفظ الأوضاع العراقية في مرحلة ما بعد الإنسحاب.

* كاتب ومحلل سياسي كردي

التعليق