إبراهيم غرايبة

الهجرة رافدا للثقافة والعلم

تم نشره في الجمعة 27 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

يمثل جبران خليل جبران وأحمد زويل وإدوارد سعيد وأمين معلوف وآخرون كثيرون جدا نماذج عربية حققت تفوقا وإبداعا عظيما في المهجر، ولكن مثال الهجرة المؤدية إلى النجاح والتفوق يكاد يكون حاضرا في التاريخ والجغرافيا، وكأن الهجرة بذاتها كانت مصدرا للإبداع والتفوق، أو كما يقول الشافعي:

 سافر تجد عوضا عمن تفارقه

                               وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده

                               إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

كانت الهجرة في القرن التاسع عشر بحثا عن آفاق وفرص في العالم الجديد أو هربا من الفقر والظلم السياسي والاجتماعي، ثم بدأت تأخذ طابعا سياسيا يقوم معظمه على الاختلافات والتحولات السياسية التي جرت في البلاد العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأضاف التقدم الاقتصادي في دول الخليج بعدا جديدا للهجرة، فقد استقطبت هذه الدول باقتصادياتها الواعدة كفاءات مهنية واسعة من أنحاء الوطن العربي، من الأساتذة والمهندسين والأطباء والصحافيين والحرفيين، والمهنيين والعاملين في الاستثمار والتجارة والتمويل، وتشكلت تجربة ثرية من التفاعل والتبادل الثقافي والاجتماعي، وشبكات جديدة من اللهجات والعلاقات والأعمال الفنية والأدبية، وفي موجة التعلم والدراسة فقد هاجرت أعداد كبيرة من الشباب، رجع بعضهم إلى بلده مزودا بتجارب وأفكار جديدة، وبعضهم استقر في مكان هجرته.

وهكذا فقد نشأت فنون واتجاهات جديدة في الأدب والكتابة تجاوزت الأدب المهجري الكلاسيكي في شكله ومضمونه القائم غالبا على الاستقلال ومحاربة الجهل والفقر إلى أشكال ومضامين جديدة، فقد تبنت قضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وامتدت إلى الرواية والمسرح والفنون النثرية.

استغرقت المجموعة الأولى من المهجرين هواجس الحنين والاغتراب، وربما دفعهم ذلك إلى البحث والتفكير في الوجود والحب والتصوف أو الشك واللاجدوى مثل إيليا أبو ماضي، وأما المهجريون الجدد فقد كانوا أكثر انفتاحا على التجارب الأدبية والإنسانية، وقد أثروا في الحركة الفكرية العربية تأثيرا كبيرا واضحا وجوهريا، مثل القصيدة النثرية، وشعر وأدب الفلسفة والغموض والحداثة وما بعد الحداثة.

وبالطبع فإن الهجرة والمنفى ليست ظاهرة عربية فقط، ولكنها امتدت إلى الآداب والحضارات جميعها، ففي مرحلة الاستعمار الأوروبي التي  شملت أكثر من ثلاثة أرباع العالم، وفي صياغته للدول والمجتمعات الحديثة فقد انخرطت الشعوب في المؤسسات التعليمية والإدارية التي أنشأها الغرب سواء في البلاد المستعمرة أو المستعمرة، وتعلمت لغاتها وأتقنتها، وتشكلت ظاهرة الكتابة باللغات الأجنبية في قضايا وموضوعات وطنية، موجهة إلى الغرب أو إلى شعوب ومجتمعات الكتاب أنفسهم والتي بدأت قطاعات واسعة منها تتقن اللغات الأجنبية، وبعض الشعوب غير العربية كما في آسيا وإفريقيا بدأت اللغات الأوروبية تشكل جامعا وطنيا وثقافيا لها أكثر من اللغات المحلية.

ويعتقد إدوارد سعيد أن ظاهرة الرد بالكتابة شكلت تهديدا جوهريا لهذا المشروع الحضاري الاستعماري وساهم في تحولات كثير في وجهة الصراع والتفاعل.

ويمكن أن يقال الكثير عن أدب المهجر وأدبائه، لكن أدباء المهجر في معاناتهم وتجربتهم هذه كانوا روادنا في معركة استعادة الهوية.

وبالنظر إلى كثير من رجال الأعمال والمبدعين الفلسطينيين، على سبيل المثال، فيمكن القول إن النكبة والتهجير كانت مصدرا أساسيا لنجاحهم، فقد استطاع هؤلاء الناجحون أن يجعلوا من نكبتهم دافعا للعمل والإبداع.

صحيح أننا لم نحول النكبة إلى تجربة نهضوية شاملة كما حدث في اليابان وألمانيا، ولكن لدينا إنجازات كبيرة ومهمة في هذا المجال تؤكد علة حيوية الفلسطينيين والعرب وقدرتهم على تحويل الضعف إلى قوة والهزمية إلى انتصار، والإنجاز الكبير يكون عادة محصلة لمجموعة من النجاحات الصغيرة والمتعددة.

ibrahim.gharibeh@alghad.jo

التعليق