حقوق الإنسان في بعدها الطائفي!

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

لا يبدو أن عالمنا العربي بلغ درجة كافية من النضج في التعامل مع مبادئ حقوق الإنسان، بحيث تُصنّف المطالبة بها كجزء من خطّة إنهاضية حضارية. هذا لا ينطبق على الحكومات والشعوب وحسب، بل قبل ذلك على نشطاء حقوق الإنسان أنفسهم!

جولة قصيرة في مواقع هيئات ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان العربية، تكفي ليستنتج المرء بأن معظم تلك الهيئات، وليس كلها طبعاً، بخاصة ممن تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان في وجه الاضطهاد والتضييق الحكومي، إنما تستعمل ذلك الادعاء في سياق خلافات سياسية مع أنظمة الحكم في بلدانها، تنطوي على أبعاد طائفية وعرقية، لا من أجل الوصول إلى حقوق الإنسان فعلاً، وهو ما يجعل الدعوة لحقوق الإنسان مجرد "كلمة حق يُراد بها باطل".

في العديد من الدول العربية، يكون لدعوة "حقوق الإنسان" أبعادها الطائفية. يحدث ذلك مثلاً في البحرين والسعودية، إذ ينحو نشطاء "الطائفة" الشيعية (استعمل كلمة "طائفة" لأن تصرفاتهم طائفية) لتشكيل هيئات توحي أسماؤها بأنها تدافع عن "حقوق الإنسان"، فيما تكون الحقيقة أنها تتابع ما يتعرض له أبناء "الطائفة"، من دون غيرهم من أبناء "الوطن"، من ملاحقة وتضييق، وذلك في سياق المطالب السياسية التي يريدها هؤلاء النشطاء، على أساس طائفي أيضاً.

في دول عربية أخرى، يكون للمطالبة بـ"حقوق الإنسان"، أبعاد عرقية. يحدث ذلك مثلاً في سورية، إذ يعمد نشطاء من الأكراد لتشكيل هيئات لحقوق الإنسان، يكون كلّ همها متابعة ما يتعرض له الأكراد، أصحاب المطالب السياسية، من اضطهاد وملاحقة، فتطرح الأمر باعتباره مصادرة من الحكومة لحقوق الإنسان، لا ملاحقة منها للمعارضين السياسيين، كل المعارضين السياسيين، بغض النظر عن أعراقهم.

لا بد من التنويه هنا أن من حق مواطني كل دولة، أياً كانت طوائفهم وقومياتهم، أن يكون لهم مطالبهم السياسية، وأن يسعوا للمشاركة في إدارة بلدانهم. كذلك من حق أبناء كل طائفة أن يسعوا للاعتراف بحرياتهم الدينية، وبوجودهم. أما ما لا يبدو أنه من حق أحد، فهو أن يُعلن غير ما يُبطن، وأن يختطف المبادئ النبيلة من أجل مصالحه ومطالبه الضيقة. لو اعترف أدعياء "حقوق الإنسان" هؤلاء بحقيقة مطالبهم السياسية، لباتوا "نشطاء سياسيين" لا "حقوقيين"، ولكان من حقهم أن يطالبوا بما يريدون. المشكلة أن تقول تلك الهيئات إنها تدافع عن حقوق الناس، فيما نشاطاتها لا تشمل كل الناس!

الغريب، أن المنظمات "الدولية!" المتخصصة بحقوق الإنسان، تدعم تلك الهيئات العربية الطائفية والعرقية، وتتبنى مطالبها باعتبارها مطالب حقوقية وإنسانية. هل الأمر بريء؟ وهل يمكن تفسيره بأن المنظمات "الدولية!" تُحسن الظن ولا تدرك المرامي الخفية؟

لا يبدو ذلك صحيحاً، فلو تتبّعنا مثلاً، كيف تعاطت تلك المنظمات "الدولية!" مع قضية درافور، لعرفنا أن الأمر ليس بريئاً. لقد تبنّت تلك الهيئات ما يجري في دارفور باعتباره انتهاكا من الحكومة السودانية لحقوق الإنسان، وتبنّت مطالب الهيئات "الدارفورية" التي رفعت شعار "حقوق الإنسان". فيما بعد، ظهر أن الصراع في دارفور يتعلق بالسلطة والحكم، وأن حركات أساسية في الإقليم لها أجندتها السياسية المدعومة من إسرائيل، كما ظهر في التصريحات الأخيرة لزعيم "حركة تحرير السودان"، عبد الواحد محمد نور، الذي قال إنه زار إسرائيل وافتتح فيها مكتباً لحركته. فكيف تكون لعبة "حقوق الإنسان" بريئة؟!

ما يبدو مؤكداً، في ضوء هذه السلوكيات، أن تلك الهيئات العربية التي تختطف شعار "حقوق الإنسان"، ليست سوى وجه آخر لأنظمة الحكم التي تعارضها، فلو وصلت هي إلى السلطة، لقمعت الطوائف والأعراق الأخرى، ولانتهكت "حقوق الإنسان" الآخر: أليس ما جرى في العراق، مع تبدّل "الطائفة الحاكمة"، دليلا على ذلك؟!

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صحيح ولكن (احمد العربي)

    الجمعة 20 شباط / فبراير 2009.
    الكلام صحيح لكن اليس من حق المواطن اذا كان مظلوماان يحاول اخذ حقه بالطريقةالمتاحة له ثم لماذا لا نقوم نحن او الاغلبية بالواجب حتى نسب البساط من تحت اقدام الطائفيين؟؟؟؟