ثلاثة أعوام كاملة من الفقد

تم نشره في الخميس 19 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

 إلى أطوار بهجت.. دائما

كأن ثلاثة أعوام لم تمر بعد.. اللعنة على كل زمن لا يعدك في أيامه مسمار ذاكرة.. كأنك أخذت التعداد معك إلى قبرك الذي ما أزال ألثغ في وجهته.

كأن ثلاثة أعوام لم تمر بعد.. فما يزال وجهك يدعوني قرب نوافير ماء ساحة "فندق المنصور ميليا". شتائمك اللذيذة ما أزال أحفظها عن ظهر قلب، وعصبيتك غير المترفة وأنت تعددين مساوئ الحصار، وأوراق بغداد.

ما يزال شعرك، قبل الحجاب ممتدا كدجلة، يزور منامي، ويذكرني بحارات كثيرة طويناها معا في عصارى بغداد: الرصافة والجسر.. أتذكر "أبو عبيدة" قبيل الدقائق الأولى من الفجر، يرشقه التونسيون الطيبون بضوضائهم. و"مجمع الشمال" حيث العربات الصغيرة تخطف "رعد" الباكي دائما على رحيلنا، وتغيبه في رحلة الساعات الطويلة إلى "كركوك".

وأذكر أني نسيت هناك وجها لمذيعة ارستقراطية: لم أواعدها ولا مرة، ولكن (الويسكي) طواها فباحت بأحبائها كلِّهم.

أتذكر "الجزيري" الذي أخذنا على يديه أولى دروسنا في "التونسية الفصيحة"، وتعتيق "العرق" في الأبدان العربية، ومقاطع مجتزأة من "القومية المبكية".

أتذكر "الهادي الدبابي" يتحدث عن "باشلر" و"فوكو"، وأنا مستغرب تماما كيف لهذا الرأس الصغير أن يختزن كل ذلك الألم.

وأذكر أيضا محجوب العياري الذي يريد أن يقرأ الشعر من دون توقف.. والكردي الطيب صلاح زنكنة، الذي لا يجالس الرجال، وخليل الذي ترك الصحافة وتخصص في النجارة لليلة واحدة فقط.

.. وأذكر إبراهيم.. أول اللقاء، وآخر الوداع..

وأذكرك.. أنت بالذات، تلمّين كل هذا الخليط، وتصنعين من ليل بغداد وسائد نوم لغريبين قرعوا بابك من غير موعد.

"موعدنا سيأتي قريبا"، هكذا كنا نودّع بعضنا ونحن على يقين من أن البعد لن يطول كثيرا، وأن التلاقي سنتنا الدائمة.. ياه كم أمنا مكر الزمن!

كأن ثلاثة أعوام من الحزن لم تمر، فما أزال أسهر مع قصائدك كثيرا.. يا إلهي إنها ما تزال طازجة، كأنك انتهيت من كتابتها للتو.

كأنك رحلت قبل برهة فقط، ودعتيني كعادتك، وقلت سنلتقي صباحا في "سوق الصفافير"، أو في "كان زمان"، أو "كرادة داخل".

كأنك رحلت بعد يوم حافل في أزقة بغداد التي كنا نمشيها من غير تأفف.. كنا نعمّد جميع الجهات بخطواتنا، نعلن للمدينة أننا نحبها، فتبادلنا حبا بحب.

أذكر حين دعوتيني ذات ظهيرة، إلى صلاة قصيرة في الكنيسة الصغيرة إلى جانب مبنى التلفزيون.

كانت مهجورة تماما، سوى من شموع للأمنيات العاجلة.

أضأتِ شمعة واحدة، وتمتمت بكلمات؛ قلت بأنك سوف تبقينها سراً تبوحين به لنفسه فقط.

ذهبتِ من دون عودة، وما تزال تلك الكلمات أفقا مغلقا علي.. ولكنني أذكر أن شمعتي لم تشتعل.

فأرجعت ذلك إلى أسباب عقائدية لا غير، عندها لمحت ابتسامة على وجهك.. ذهبت هي الأخرى إلى غير رجعة، وبلا أمل في التفسير.

سأعتبرها فيما تبقى من الألم ابتسامة عقائدية لا غير..

ثلاثة أعوام تفصلنا عن ذلك اليوم الذي قرر فيه رجال من دون قلوب أنك لم تعودي في حاجة إلى الحياة.

قرروا أن أمك التي ارتميت في حضنها كثيرا تعددين لها دمعاتك المالحة.. لم تعد في حاجة إلى رؤيتك من جديد.

قرروا أن (إيثار) لا تحتاجك لتكوني إلى جانبها، ترشدينها في متاهات الحياة، وتزفينها بنفسك إلى عريسها المستقبلي.

قرروا أن أنفاسك على الأرض لم تكن تكفي ليوم آخر.. ففعلوا فعلتهم واختبأوا في جنح الظلام.

سوف نسأل (صولاغ الزبيدي) عن دمك المسفوح في سامراء.. سوف نسأله عن "جرائمك الكثيرة" التي ارتكبتها من أجل استحقاقك الموت على هذه الطريقة التي تجمد الدم في العروق: من الوريد إلى الوريد، بعد أن داعبوا جسدك بـ "الدرل".

أذكر بغدادنا في الزيارة الأخيرة، كانت تتشبث بنا.. ونحن تشبثنا بها

أذكرك ببغداد؛ كنت تلمّين عن عيون أطفالها دمعاتهم السائلة، وتصرخين: تبا للظلم.

إليكِ أطوار، ما أزال أهدي الدمع كلما مرّ في البال خيالا من ليلات كثيرة "تشربعنا" على شوارع بغداد العارية إلا من الألم والثكالى.

لم أودعك بعد.. قلت إنني سوف أرفض هذا الموت القسري، وسوف أنتظر موتا أقل فجيعة، وأكثر واقعية.

لم أودعك بعد؛ سأنتظرك دائما على باب "كان زمان".

m.malkawi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجه غائم خلف غيوم الدمع . (شذى ملكاوي)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    دماء كدم اطوار بهجت لا تنبت في سواد الارض سوى الورد ..لذلك ستجد زهرة حمراء بلون دمها في المكان الذي سال فية.
    واطوار في ذاكرتنا وجه غائم خلف غيوم الدمع .

    سلمت دائما ايها الجميل المبدع
  • »نخلة عراقية اخرى (ربى احمد)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    آه ما اصعب غدرالقتل حين يتربص بامرأة لا تحمل في جيب قلبها سوى قصيدة خضراء كعينيها .. وتميمة تعلقها الامهات في صدر بناتهن كل صباح ..

    علقت اطوار بهجت روحها في السماء وتركت جسدها ينغرس في لحم الارض نخلة عراقية اخرى.

    اشكرك يا صديقي الموفق
  • »عزاء ابيض (ربى)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    أعترف ان ما قراته اليوم ( ثلاث اعوام كاملة من الفقد ) قد أعاد بذاكرتي إلى لحظات مؤلمة ، وارغمني على البكاء وكنت اكابر حتى لا تسقط دمعة من ينابيع روحي على جمرات قلبي وتطفئها !!
    ايها الموفق بدات بتشذيب الحزن والأسي واللوعة ، لم اجد من يجيد هذه المهنة الشاقة غيرك.
    لقد امكنك ان تختصر غابة حزن بسطر واحد ، كيف لا وانت المكلوم في اعماقك، حتى يمكن ان اتنبئ ان شظايا الحروب برمتها قد تجمعت في قلبك وفي دروب دمك ، حين تقول ..
    "لم أودعك بعد.. قلت إنني سوف أرفض هذا الموت القسري، وسوف أنتظر موتا أقل فجيعة، وأكثر واقعية.
    لم أودعك بعد؛ سأنتظرك دائما "
  • »رائع (علي)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    ايها الشاعر الرائع
    كما عهدناك رائع فيما تكتب وت>كر
    لرحم الله جسده الحر
  • »رحم الله أطوار (ريم)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    ثلاثة أعوام مضت على استشهاد أطوار بهجت وكأن الزمن توقف لحظتها،
    كنا ننتظر التقارير الإخبارية التي كانت تعدها أطوار على الجزيرة لتنقل لنا أخبار العراق الجريح..
    فهنيئا للعراق بك وطوبى للأرض التي أنجبتك واحتضنتك
    رحمك الله يا أطوار،والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار
    وتحية لك يا أستاذ موفق
  • »رائع (هاني البدري)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    ما اجمل روحك يا موفق 00
  • »كان زمان (انس ملكاوي)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    كما انت دائما ...رائع
    ما زالت اطوار معنا حتى وهي بعيدة عنا ..
    تحية لك ايها الموفق المبدع
  • »لا تحزن (هيام)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    "اه يا بلادي هل حلت عليك لعنتا
    ام اصابك عائنا من غير وجل
    اه يا بلادي لماذا الدمار والخراب
    تلبسيه وقد تخليتي عن كل الحلل
    لماذا يا بلادي الموت موزع في طرقاتك
    وقد صار يتبع الناس مثل الضلل"

    ايها الكاتب الرائعاعدت بنا لا تاريخ لن ينسى واطوار زرعت في اعماقنا
  • »سلمت (sana)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    ` ورد البنفسج ` يا أطوار قد ذبلا حزنا عليك ، فما لي بعدكم دار نبكيك أم نبكي العراق و إنما أنت العراق ، وكل الأرض أطوار

    سلم قلمك الحر يا استاذ موفق
  • »درة الشرق (شعاع)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    لا ادري استاذ موفق ماذا اكتب ولكن لم يخطر ببالي الا قصيدة معبرة في ذكرى الشهيدة اطوار بهجت / للشاعر العروبي لطفي الياسيني
    * * *
    في يوم ذكراك يا أطوار أزجيها
    تحية القدس والأقصى أهاليها
    ما مت انت ولكن مات من قتلوا
    اطوار بهجت .. شلت ايد مرديها
    اطوار كانت لصوت الحق منبره
    لا تخش لائمة في الحق ترويها
    بنت العراق.... ومن اعراق امتنا
    لا زلت اطوار بهجت من غواليها
    لن يهنأ الخصم يا اطوار فانتظري
    ساخلع الشرش عاليها لواطيها
    عهد علي لرب العرش اقسمه
    سأثار اليوم ممن شاركوا فيها
    يا درة الشرق انت الشمس ساطعة
    اشعة الشمس لا غربال يخفيها
    ستشرق الشمس في بغداد قاطبة
    فالنصر اوشك امريكا سأفنيها
    الله اكبر يا علم العراق.... غدا
    لسوف تخفق في اعلى اعاليها
    تأبى المروءة ان تبقى مقيدة
    والخصم يلهو بارضي في روابيها
    طلائع الزحف من بغداد قد بدأت
    سرت الى القدس والاقصى لتفديها
    قد عاد جند عراق الشرق منتشيا
    اوباما ماض كما الاسلاف اعنيها
    مني اليك سلام الله ما بقيت
    روحي فداك ومن الاك .. افديها
    ................................
  • »حزينة انت (رناد)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    "ارثيك يا اطوار وبرثاؤك ارثي مدينتي
    التي ماعدت اسمع بها اشعار الغزل
    حزينة انتي يا من كنتي اغنيتي
    فما ابقى لنا الحزن مكانا للا مل
    جراحاتكي فوق صدري معلقتا
    تحل معي حيث اقيم وارتحل"

    سلمت يداك اتاذ موفق
  • »الفراق (الشاعرمحمد العداربة)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    وكم يمضي القاء بلا فراق ولكن لا لقاء بلا فراق تحيةلك أيها الشاعر الجميل والمبدع ياصاحب القصيدةالرائعةرياح ذابلةنحن نتابعك ياصديقي بكل اهتمام
  • »اي صباح هذا ؟وايه فجيعة ألمت بنا؟ (حمزة مازن تفاحة)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    ادهشتني بمقالك الى حد التصلب ، ..
    اطوار بهجت ..ياااااه ؟
    هل ثمة من يتذكر اطوار بهجت ؟ اقصد هل ثمه من يتناسى مراسم قتلها ودفنهاايضاً ..
    ارجعتنا الى حزن مضى وما زال يقطر في ذاكرتنا .
    اطور بهجت أُغتيلت على يد رجال لا يمتلكون قلوب ولا حتى نبض داخل الصدر ولا يتوفر لديهم شهيق وزفير ويعانون من نقص حاد من الاخلاق والدين ، والانكى من ذلك عند الانتهاء من العبث بذلك الجسد النقي بالدرل والاجهزة المتطورة الاخرى ، يقومون بالاعتداء مراسم الدفن وعلى المشيعين وهم في طريقهم الى مثواها الاخير ، وكأنهم منغاظون مماالت اليه تلك الطاهرة.
    رحمه الله على جسدها الطاهر وروحهاالنقيه.
    للعلم..
    وهذا المقال يدل على الوفاء الذي تتميز به يا سيدي الراقي موفق ملكاوي ، وتقبل تحياتي سيدي ..
  • »فقد كامل (وجه قديم)

    الخميس 19 شباط / فبراير 2009.
    لم تكن اطوار بهجت السامرائي مجرد م>يعة او صحفية لامعة... لقد كانت انسانة شفيفة بكل معنى للكلمة.
    أنا ايضا اعرفها عن قرب.. وأعرف كيف كانت تتكلم بدون ادعاء، وصادقة فيما تخفيه قبل الدي تعلنه
    رحمها الله.. ولك صبرا جميلبا يا موفق فقد كانت نعم الصديقة