محمد برهومة

الحوار الأميركي- الإيراني وأمن الخليج

تم نشره في الثلاثاء 17 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

 إدارة جورج بوش لم تسمع للهواجس الخليجية بشأن غزو العراق وتداعياته وليس واضحا حتى الآن ما إذا كانت إدارة أوباما تستوعب هذا الدرس بخصوص أمن الخليج

لم تكن فرص قيام حوار أميركي ـ إيراني منذ سنوات بهذه القوة كما هي في الوقت الحاضر. هذا التوجه للحوار هو رغبة أميركية ستحتل حيزاً مهماً في السياسة الخارجية الأميركية في ظلّ التوجهات الجديدة التي سيختبرها باراك أوباما في منطقتنا، ومن حق واشنطن وطهران أن تسعيا لتحقيق مصالحهما وتأمين نفوذهما. وسواء انتظر أوباما نتائج الانتخابات الإيرانية في حزيران (يونيو) المقبل، التي من احتمالاتها عودة محمد خاتمي إلى السلطة، أم أطلق هذا الحوار قبل ذلك، مستحضرا بأن مركز القرار بيد السيد علي خامنئي وحلفائه في الداخل، فإن إيران بدأت تتحضّر لهكذا حوار عبر اتجاهات ومسالك متعددة من أبرزها:

أولاً؛ الترحيب الإيراني بنيّة واشنطن الحوار معها، والثناء على نهج التغيير الذي يقوده أوباما على عكس النهج الذي اتبعته إدارة جورج بوش تجاه إيران في دورتيه الرئاسيتين.

ثانيا؛ التأكيد بأن التوجه الأميركي الجديد بمثابة إقرار صريح بالنفوذ الإيراني في المنطقة ومحوريته.

ثالثاً؛ اتباع إيران دبلوماسية هجومية لتوسيع ملفات أي حوار إيراني ـ أميركي، وأي صفقة أميركية ـ إيرانية محتملة. وهذا الأمر اتخذ مظهرين:

المظهر الأول تمثّل في التركيز خلال الأسابيع الماضية على قضيتي الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة، وزعم إيران عبر حملة إعلامية إيرانية واسعة في صحفها، بأن هذه الجزر جزء من أراضيها، وكذلك التصريحات الإيرانية التي ذهبت إلى أن مملكة البحرين تعدّ المحافظة الـ 14 في إيران، والتذكير الإيراني بأن البحرين كان يمثلها عضو في مجلس الشورى الإيراني أيام الشاه!

المظهر الثاني: تأكيد إيران قبل أيام أنّ أمن العراق بات مستقرا، ومن هنا لا حاجة ـ حسب وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي ـ لحوار أميركي ـ إيراني بشأن العراق. وقد يكون لافتاً للنظر تصريح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري خلال لقائه نظيره الإيراني، في زيارته الأسبوع الماضي لبغداد، بأن متكي أراد زيارة مناطق الجنوب العراقي للاطمئنان على الاستقرار الأمني هناك!. ولا أدري إذا كان من الصواب تفسير كلام متكي حول عدم الحاجة إلى حوار أميركي ـ إيراني حول العراق بأنه يعني أن المصالح الإيرانية في العراق مؤمّنة ومتحققة، ولا حاجة إيرانية لواشنطن للإقرار بها، أو عدم تهديدها. وكأن ذلك يعني (أو كهذا تريد أيران أن توحي) أن "الورقة العراقية" سقطت من طاولة الحوار المرتقب لصالح طرف واحد هو إيران، وأنه الفاعل الرئيسي في هذا الملف، وله الكلمة الفصل بفضل خارطة التحالف العراقي ـ الإيراني القائمة على الأرض.

أي بعبارة أخرى، أصبحت الملفات التي سيتناولها أي حوار أميركي ـ إيراني مرتقب تشمل: الملف النووي الإيراني، لبنان وفلسطين، أمن الخليج ( شاملاً انسيابية الحركة الدولية عبر مضيق هرمز، وربما جزر الإمارات ،البحرين .. ) وأفغانستان وباكستان (تأمين الحدود وحفظ الاستقرار وتأمين إمدادات حلف"الناتو" اللوجستية  للقوات المتعددة الجنسيات في أفغانستان، بعد تهديد "طالبان" لطرق الإمدادات هناك وضربها أكثر من مرة، والحاجة الغربية وخاصة الأميركية للبحث عن بدائل قد تساعد إيران وروسيا في تقديمها وتأمينها).

وعلى الرغم من أن دول الخليج العربية أصرّت غير مرة وعلى لسان عدد من مسؤوليها بأن أي حوار أميركي ـ إيراني يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج، وأن تكون حاضرة في مثل هذا الحوار، فإنه لا  يبدو أن هناك ما يؤكد بأن الدول العربية وخاصة الخليجية تتحرك باتجاه عملي ومنهجي ومتكامل يدفع واشنطن للتأكيد بأن المصالح الخليجية ستؤخذ في الاعتبار. وأخشى أن لا يكون التعويل على التحالف الأميركي ـ الخليجي الوثيق كافيا وحده في هذا السياق، والذي يكاد ينحصر في عامل النفط، الذي تشير دراسات مستقبلية عدة إلى أنه سيفقد قيمته الاستراتيجية بعد عقود.

إن إدارة جورج بوش لم تسمع للهواجس الخليجية بشأن غزو العراق وتداعياته، ولم تنجح في ترتيب أولويات ما تطلبه من بلدان مجلس التعاون الخليجي، وليس واضحا حتى الآن ما إذا كانت إدارة أوباما تستوعب هذا الدرس بخصوص أمن الخليج، وعلى دول الخليج أن تسعى جديا لإيصال رسالتها، والكفّ عن سياسة الترقب والانتظار.

mohammad.barhamuh@alghad.jo

التعليق