العدو الصهيوني والصديق اليهودي

تم نشره في الأحد 8 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

أثمر الصمود في وجه العدوان الإسرائيلي على غزة، معركة حقوقية أخلاقية نستعد لخوضها ضد قادة وجنود الكيان الصهيوني، الذين قتلوا وجرحوا وهدّموا على مدار ثلاثة أسابيع، تحت سمع العالم وبصره، كي لا يمضوا بجريمتهم كما جرت العادة، من غير حساب وعقاب.

هذه المعركة الحقوقية دقيقة للغاية، ولا يجوز خلالها الوقوع في هفوات تُخرجها من إطارها الأخلاقي، بخاصة لأن إسرائيل أحسنت دائماً استغلال أخطاء من هذا النوع، اتخذتها مدخلاً إلى وعي شعوب الدول المؤثرة في العالم، وبات العرب والمسلمون مدانين بسببها باللاإنسانية و"الإرهاب"، ما ظل ينعكس سلبياً على البيئة الدولية التي تُناقش فيها قضايانا.

الأمر يستوجب منّا كثيراً من الحكمة وبُعد النظر، ومن ذلك عدم تقديم طروحات عنصرية تخالف لغة "حقوق الإنسان" التي يفهمها العالم، ما دامت المعركة تتعلق بـ"حقوق"، وما دمنا نخوضها في المحاكم الدولية والأجنبية، وما دام التعاطف الدولي الذي تبدّى في المظاهرات المناصرة لغزة، قد ارتبط بالانحياز لحقوق الإنسان.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة التعليق الذي أضافه أحد المتصفحين المحترمين لموقع "الغد" الإلكتروني (لم يذكر اسمه صراحة)، على مقال الزميل أسامة شحادة حول الخلفية الدينية للحرب الصهيونية على غزة، المنشور يوم الجمعة الفائت. انتقد التعليق قراءة الحرب من خلال فهم أيديولوجي للصراع مع إسرائيل، وأكد أن ثمة فروقاً كبيرة بين اليهودية كدين، والصهيونية كأيديولوجيا وظّفت الرؤى التوراتية لخدمة مبادئها، وضرب مثلاً على ذلك جماعة "ناطوري كارتا" اليهودية الرافضة لوجود دولة إسرائيل، والمعارضة للصهيونية، داعياً من ثم إلى فهم موضوعي للحالة اليهودية، يدرك حالاتها وفروقاتها.

هذا الطرح، معناه أن ربط الحرب على غزة بدوافع دينية محضة، إنما يخالف الواقع الذي فيه جماعة يهودية أصولية، تعارض وجود إسرائيل وممارساتها غير الإنسانية، وفيه رجال دين يهود تظاهروا ضد الحرب، وقام أحدهم بإحراق جواز سفره الإسرائيلي أمام عدسات الكاميرات، تعبيراً عن رفضه الانتماء لدولة تمارس الإجرام، وذلك في مظاهرة لندن الكبرى يوم 11/1/2009.

وفضلاً عن كون ذلك الربط يخالف الواقع، فإنه يتعارض ومبادئ حقوق الإنسان (ومبادئ الإسلام أيضاً) التي تتيح لكل إنسان حرية اختيار دينه، فنبدو بسببه وكأننا نسعى لمعاقبة الناس على انتماءاتهم الدينية، لا على ما يقترفونه فعلاً من أعمال، وهي شبهة عنصرية تخلع الصورة الإنسانية عن القضية العربية في مواجهة إسرائيل، وتخدش أخلاقيتها، إذ تبدو صراعاً لا مع محتلين ومعتدين، بل مع دين آخر.

ندرك طبعاً أن ثمة طرحاً يربط الديانة اليهودية (الموجودة حالياً) بالعنصرية، كون اعتناقها غير متاح لكل إنسان، على غير حال الأديان الأخرى التي تعرفها البشرية، لكن هذه مسألة مختلفة، ولا تبرر أن نتيح لمجرمي الحرب الإسرائيليين تصويرنا كعنصريين.

والواقع أن ثمة ممارسات عربية تنزلق في تلك العنصرية غير المبررة، ومن ذلك ما تعرّض له حي يهودي في اليمن، خلال مسيرة احتجاج على الحرب جرت في منطقة "ريدة" اليمنية بتاريخ 4/1/2009، إذ قام متظاهرون بقذف بيوت اليهود بالحجارة، وكسر نوافذها، فضلاً عن كيل الشتائم لهم، ما يعني تحميلهم وزر حرب إسرائيل على الفلسطينيين، لمجرد كونهم يهوداً!

نحن بحاجة للتفريق بين العدو الصهيوني الذي يرتكب المجازر، والإنسان اليهودي غير الصهيوني، الذي قد يكون صديقاً أو حتى شريكاً في الوطن، فقضيتنا عادلة، سببها الاحتلال الذي اغتصب الأرض وشرّد الناس ومارس القتل، وهي ذاتها قضية كل أمة في مواجهة كل احتلال، أياً كان دينه، ولا داعي لأن نتورط في قضية غير عادلة، مفادها ملاحقة الآخرين على معتقداتهم.

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالة ممتازة (Sumaia)

    الأحد 8 شباط / فبراير 2009.
    أثنى على الكاتب لطرح هذا الموضوع الهام، حيث أن الخلط بين الصهيونية واليهودية يعني بأننا شعوب عنصرية ضد الأديان الأخرى، ما ينحى بقضيتنا العادلة إلى منحى خاطىء ويفقدنا تعاطف الآخرين معنا، فقد نجح الصهاينة في إظهارنا بصورة المسلمين المتطرفين الإرهابيين، ولا بد من العمل الواعي لتغيير هذه الصورة من خلال عدم العشوائية أو العاطفية في الرد بطريقة تسيء لنا كمسلمين.
  • »تصحيح بسيط (talal)

    الأحد 8 شباط / فبراير 2009.
    الأخ سامر، مع كل الاحترام لما قلته إلا أنه يبدو أنك قد نسيت معلومة تاريخية قديمة جدا ألا و هي أن اليهود هم قتلة الأنبياء و الرسل و ناقضون للعهود و المواثيق و قوم يجري الغدر في دمهم مجرى الدم، و قوم يجادلون و يماطلون بلا طائل، و قوم تكلموا مع نبيهم بمنتهى الوقاحة عندما قالوا "اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون"!! و هذه الأمور كلها حصلت بدون أن يكون هناك إسرائيل و لا غيرها،و هذا غيض من فيض. ألم يكن قتلهم للأنبياء من منطلق ديني؟ بلى بالطبع! سؤال بسيط: هل تثق بذلك اليهودي الذي حرق جواز سفره؟ لا أعتقد ذلك..
    لنقل إن الحرب على غزة دينية و سياسية، و لكنك لا تستطيع إبعاد البعد الديني عن الموضوع و أنت قلت بنفسك إن اليهودية عنصرية كونها لا تتيح لأي أحداعتناقها
    و تصحيح آخر، فإن الإسلام لا يتيح للشخص إختيار دينه ما دام مسلما، فالآية واضحة جدا " إن الدين عند الله الإسلام". فبعد إسلام المرء لا يحق له تغيير دينه و من يفعل فإنه يستتاب فإن لم يرجع يقتل، و الآية "لا إكراه في الدين" معناها ألا يجبر أي شخص على اعتناق الإسلام رغما عنه ما دام غير مسلم. و بالتالي فما كتبته في مقالك بهذا الخصوص يحتاج لوضوح أكثر و ربما أنه صحيح من ناحية أخرى
    شكرا لك