مياه الديسي: تنمية الجنوب أم زيادة فقره؟

تم نشره في السبت 7 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

 طوال السنوات الماضية، لم يف المجتمع الدولي الذي أدار الأزمات والحروب الإقليمية بمسؤوليته حيال الأردن

   يبدو أن المشروع العتيد الخاص بجر مياه حوض الديسي من جنوب المملكة إلى عمان، يسير بخطوات سريعة بعد تعثر استمر سنوات طويلة، بينها تدخلات إقليمية عرقلت بعض مصادر التمويل.

  سيبدأ الأتراك قريباً تنفيذ المشروع، وستشرب عمّان وجوارها مياه الديسي زلالاً، ولا شك في نزاهة الأهداف الوطنية وراء هذا المشروع الخلافي، في واحدة من أهم قضايا ضمان استمرار الحياة في بلادنا. لكن لا أحد يتحدث عن حقوق المجتمعات في جنوب الأردن، التي استنفدت مواردها عبر عقود من الاستغلال الجائر، والتكديس في مراكز أخرى، وما تزال تعاني فجوة تنموية مخجلة ومحرجة، حسب المؤشرات الرسمية لا غيرها في نوعية الحياة، التي تنعكس في الدخل والإنفاق والفقر والبطالة ومؤشرات التعليم والطفولة والأمومة وطول العمر والعيش الكريم المستدام، حيث لم تتعلم  أجيال من الحكومات الأردنية من الإشارات التي أطلقتها مجتمعات هناك، عبّرت عن عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، نتيجة تعاظم حجم الفجوة التنموية واستمرارها.

   طوال السنوات الماضية، لم يف المجتمع الدولي الذي أدار الأزمات والحروب الإقليمية بمسؤوليته حيال الأردن، فيما تعاظم تدفق اللاجئين والوافدين الجدد وتركزهم في عمان وحولها، ما خلق حالة طارئة وغير معلنة من الضغط على الموارد المحدودة، وعلى رأسها المياه؛ تصوروا كيف تستقبل مدينة وجوارها مثل عمان نصف مليون عراقي خلال أقل من ثلاث سنوات، وهو ما سبق وأن حدث قبل عقد ونصف من ذلك الوقت في حرب الخليج الثانية؛ لم تقابل الحكومات الأردنية عقوق المجتمع الدولي إلا بالضغط الدائم على الموارد الوطنية في جهات المملكة الأخرى، وفيما كانت العاصمة تتضخم وتتخم بفعل دورة رأس المال الريعي واقتصاديات الطوارئ وما جلبته من ثراء فاحش وسريع لفئات جديدة، تحوّلت بقية المملكة الى أطراف منهكة، تحت وقع الأزمات الاقتصادية وتواضع البنى التحتية والتسريب والاستغلال المنظم لمواردها.

  كانت الشوبك في العام 1909 أكبر من عمّان، وعدد سكانها أكثر أيضاً، فيما كانت المياه المتدفقة ترافق المسافر من خط السكة شرقاً، إلى أن يصل البلدة الآهلة. كانت بساتين الفواكه والخضار القادمة من تلك الأرض تشبع الناس على طول خط الحج الشامي، وتصل إلى بلدات الحجاز الشمالية. هذا ليس من ذكريات التاريخ الغابر، هذه روايات الرحالة الأجانب قبل قرن، ومن الطبيعي وبمعدلات النمو أن تصبح هذه البلدة اليوم مدينة كبيرة تنعم باقتصاد مدني ريفي متكامل، لكن المفارقة التي تعبّر عن نمط سياسات تنموية جائر، أنك تجد البلدة اليوم شاحبة، بيوتها متناثرة على بعد، فيما أن قرى بأكملها هجرها الناس، كذلك فإن مرافقها الخدمية متواضعة، بينما تمتع مجموعة من المزارع الاستثمارية بامتيازات استغلال المياه الجوفية، وتشغل الآف من العمالة الآسيوية، أؤلئك الذين لا يرون شمس الأردن خارج المزرعة.

   في  المحافظات: في الجنوب والشمال وفي عرض الصحراء، مصادر الموارد الوطنيـة الحقيقية، وفق المنظور الاستراتيجي القائم على مفهـوم الكتلة الحيوية (الأرض والسكان والموارد)؛ فمن الموارد الطبيعية إلى الموارد التاريخية إلى الموارد البشرية إلى الموارد المعنوية، شكلت المحافظات جل عناصر قوة الدولة الأردنية، إلا إنها بقيت طوال العقود الماضية على هامش التنمية وخططها، وهو الأمر الذي يفسر تواضع نوعية الحياة وتقاسيم البؤس في وجوه الناس، في قرى وبلدات مهمّشة، تحيا على هامش التنمية، وتسهر ليلها الطويل في انتظار وعود وأمنيات وبرامج رسمية تعلكها الشاشات ووسائل الإعلام.

  بلدات الجنوب وبواديه المنسية، التي يتابعها الملك بينما لم تلتفت إليها الحكومات منذ عقود، وقرى الشمال والوسط المزدحمة بالبطالة والفقر، ليست بحاجة إلى الإنشاء الرسمي ولا إلى فائض عطف وسائل الإعلام، ولا إلى مدائح الكُتّاب، ولا يجديها التعبير البائس حينما نتذكر الهوية، المسألة أكبر من ذلك وأكبر من مجرد الحرمان، والفقر الذي تعانيه مئات القرى والبلدات المهمشة، المسألة في جذورها وحاضرها تتمثل في غياب عدالة التنمية، وفي سياسات إفقار للموارد الوطنية، كان حصادها إفراغ هذه المحافظات من خيراتها ومواردها، وحتى من أبنائها!.

   بالعودة إلى مشروع جر مياه الديسي، فالسؤال الحري بالإجابة حول مستقبل المجتمعات المحلية المحيطة بهذا المشروع في الباديـة والأرياف الجنوبية، على امتداد أكثر من مائة وخمسين بلدة وقرية في أربع محافظات، تشكل أكثر من 60 بالمائة من مساحة المملكة؛ هل ستلحق بمياهها وسنشهد موجـة جديدة من النزوح والهجرات الداخليـة صوب عمان؟ هل توجد خطط ومشاريع مرافقة لتنمية عادلة، تتوفر لها أسباب الحياة والاستقرار، كما يحدث في كل المشاريع الاستراتيجية في العالم؟ وهل ثمة في الأفق خطة "أقاليمية" لتنمية الجنوب، تنطلق من موارده وليس من فائض عطف النخب المشغولة بالثرثرة حول المسؤولية الاجتماعية؛ من أجل حماية التنمية الوطنية الشاملة واستقرارها، وحماية قيم الدولة في العدل والنزاهة؟

مشروع الديسي لا يجب أن يمر إلا وبصحبته خطة استراتيجية شاملة لتنمية الجنوب.

Basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التنميه شبه معدومه في المحافظات (رافع مدحت فريحات)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    الموضوع لا يتعلق بالمياه فقط دكتور الحال ينطبق على كل شي في الاردن فهناك تخلف تنموي في كافه محافظات المملكه لصالح العاصمه عمان فانشاء نفق واحد في عمان قد يكون مساوي لموازنه احدى المديريات الخدميه في محافظات الشمال او الجنوب نرجو من الحكومه الالتفات الى هذا الموضوع واعطاء كل محافظه حقها في مخصصات التنميه المستدامه
    شكرا لك دكتور دائما تضع اصبعك على الوجع وتنقل هموم الجميع بدون تحيز
  • »نعم لقرش الجنوب (ابو رائد الصيراوي)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    من المنطقي ان تهتم الحكومة بتنمية مناطق الجنوب التي سياتي منها الماء لسقاية اهالي عمان والشمال الاردني.

    واعتقد ان باستطاعة الحكومة ان تخصص مبلغ بسيط على فاتورة المياة التي تاتي الى عمان تكون لصالح تنمية مناطق الجنوب اسوة بفلس الريف ودينار الخلوي للجامعات وضريبة المغادرة للمطار وغيرها كثير من المخصصات التي يدفعها المواطن لمسميات كثيرة منها الواضح وكثيرا منها الغير واضح تدخل تحت مسمى رسوم اخرى.
    حق اهالي الجنوب علينا ونحن نشرب مائهم ان نلتفت اليهم بكل محبة. فلا مانع ان نرى على فاتورة المياة ( قرش الجنوب) يقتطع من ما تحصلة الدولة من بند الرسوم الاخرى الذي نراة محشور في كل معاملة للمواطن مع الدولة.
  • »على الوجع (عماد مصاروه)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    برافو موضوع على الوجع
  • »العدل والتنمية والمياه والنفط (محمود خليل مقابلة)

    السبت 7 شباط / فبراير 2009.
    هذا الذي الذي طرحه الكاتب عين الصواب ، فالجنوب الاردني بحاجة الى خطة تنمية وطنية حقيقية ، فعدد السكان الذي لايتجاوز نصف مليون من السهولة ان يتم تنميته لو كان هناك التفات حقيقيي من قبل الدولة لهولاء الناس
    اماان تبقى الدولة تأخذ خيرات هذه المناطق ولا تقدم لها ما يذكر في التنمية وفي البنية التحتية فهذا لا يعني اكثر من عدم الالتزام الوطني وسيزيد من المشاكل.
    هناك حاجة يجب ان ننتبه اليها في عمان وغيرها،بضرورة التوازن بين اطراف المعادلة ، الرئيس التركي قال في يوم ان مياهنا هي نفطنا ولا احد يرغب بأن يشاركه الاخرون في نفطه ، ويجب ان تذكر ان مشروع تقسيم العراق الذي يطل برأسه كل يوم لا ينطلق في الحقيقة من خلفيات عرقية او مذهبية بل في الصراع على الثروة .
    التنمية العادلة هي الحل.