انتخابات العراق المحليّة: ملاحظات أوّليّة

تم نشره في الثلاثاء 3 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

انتخابات العراق المحليّة تجدّد إعلان موقع العراق على تقاطع حادّ بين طريقين: طريق النشوء والتشكّل أو طريق التفكّك الذي لا يزال في وسعه بعثرة كلّ إنجاز

 

بغضّ النظر عن النتائج التي تفضي إليها الانتخابات الأخيرة للمجالس المحليّة العراقيّة، أو القوى التي ستبلورها، وهو ما سيتأخّر ظهوره، يمكن الخروج بعدد من الانطباعات الأوّليّة والإجماليّة.

فهناك الكثير من النقد المحقّ والصائب الذي وُجّه، ويُوجَّه، للحرب الأميركيّة في بلاد الرافدين وللخريطة السياسيّة التي ارتسمت بموجبها. لكنّ ما تعيد كلُّ مناسبة انتخابيّة التذكيرَ به (والمناسبات تلك كثيرة منذ 2003) أن الحضور العسكريّ الأميركيّ، وهو مزيج من احتلال وتحرير، أعطى العراقيّين فرصة عظيمة مبدئيّاً هي: أن يقترعوا بحريّة، وان يختاروا ممثّليهم ويرسموا مستقبلهم بأيديهم. وهذا ليس قليلاً ولا بسيطاً، سيّما وأنّه انقطع منذ انقلاب 14 تمّوز (يوليو) 1958 الجمهوريّ، لا بل قبل ذلك، حين أحسّ النظام الملكيّ بالخوف الذي أثارته الشعبويّة الناصريّة المتزايدة قوّة بعد حرب 1956.لقد استخدمنا، أعلاه، تعبير "مبدئيّاً" للتمييز بين الفرصة النظريّة وبين تطبيقاتها العمليّة في الواقع. فالعراقيّون، للأسف، إنّما كشفوا عن مدى هائل في تفتّتهم الطائفيّ، فكأنّ ما كان يحتقن في الخفاء إبّان العهد البعثيّ المديد انفجر دفعة واحدة. وعلى هذا النحو فإنّهم لم يستعملوا تلك الفرصة لبناء نصاب وطنيّ متعالٍ عن الطائفيّة والطوائف. لقد فعلوا العكس، إذ اتّجهت أكثريّة الشيعة إلى إخافة الآخرين بالعدد، ومالت أكثريّة السنّة، في المقابل، إلى المقاطعة والاحتجاب عن العمليّة السياسيّة، بينما أكّد الأكراد دوماً على خصوصيّة تمايُزهم الذي غنموه منذ 1991 حين أجليت سلطة صدّام حسين عن مناطقهم.

بيد أن هذا الوضع الموصوف أعلاه بدأ يتغيّر نحو الأحسن مؤخّراً، وهذا ما تدلّ إليه الانتخابات الحاليّة التي يُكسبها المزيد من الأهميّة كونها تمريناً أوّليّاً على الانتخابات النيابيّة العامّة الوشيكة.

فالتمحور على قاعدة الانتماء الطائفيّ تراجع قليلاً عند الطائفة الشيعيّة، فيما ضعفت قوّة التيّار الصدريّ الأكثر راديكاليّة وتهديداً للأمن والانسجام الوطنيّ سواء بسواء. وهنا لعب رئيس الحكومة نوري المالكيّ دوراً بالغ الفائدة والأهميّة، هو الذي تحدّى التيّار المذكور كما دعا إلى تفكيك الولاءات الطائفيّة وتجاوزها إلى أفق وطنيّ و"دولة قانون"، فضلاً عن مواجهته بنجاح تحدّي المعاهدة الأمنيّة الاستراتيجيّة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة. كذلك انخرط السنّة في العمليّة الانتخابيّة، ورُجّح إقبالهم الكثيف على التصويت، وقد سُمعت في أوساطهم أصوات متباينة ومتعدّدة في ما خصّ مسائل الطائفيّة والدين، وهذا بعدما تولّت "الصحوات" التصدّي لـ"القاعدة" والتضييق عليها. وما من شكّ في أن التحسّن الأمنيّ الذي تمّ إحرازه مؤخّراً، وعلى دفعات، سهّل حصول تلك المستجدّات الإيجابيّة، دافعاً البعض من الصامتين إلى التعبير عن قناعات كان الجهر بها يرشّح صاحبه إمّا للعزلة المطبقة أو للموت.

غير أن الأمر لا يزال يستدعي الكثير من الحذر الواجب والضروريّ. فحين نكون أمام 14 ألف مرشّح يتنافسون على 440 مقعداً فحسب، أي أن أكثر من 31 مرشّحاً يتقدّمون للمقعد الواحد، فهذا يعني أنّنا أمام لوحة باهرة من التفتّت في الصلب القاعديّ والمجتمعيّ. وفي وضع كهذا، يُخشى أن ينقلب ما هو إيجابيّ في ظاهره سلبيّاً في باطنه. فقد يتحوّل، مثلاً، الإقبال السنّيّ على التصويت مقدّمة لتحصيل قوّة تتيح الثأر السياسيّ من الشيعة أو من الأكراد (كالمطالبة باستعادة رئاسة الجمهوريّة من الأخيرين، أو باسترداد صلاحيّات تلك الرئاسة من الأوّلين).

وتتنامى أسباب القلق حين يضع الأكراد أنفسهم خارج العمليّة الانتخابيّة، تحت عنوان "التأجيل"، مُبدين انزعاجاً واضحاً من علامات توطّد السلطة المركزيّة، فيما تلك السلطة المركزيّة لا تبدي، بدورها، ما يكفي من علامات طمأنتهم.

وقصارى القول إن هذه الانتخابات تجدّد إعلان موقع العراق على تقاطع حادّ بين طريقين: طريق النشوء والتشكّل الذي يتطلّب التسييس والمأسسة السريعين لكلّ إنجاز أمنيّ أو توافقيّ يتحقّق، وطريق التفكّك الذي لا يزال في وسعه بعثرة كلّ إنجاز وإرجاعه إلى سويّة أمنيّة.

وأغلب الظنّ أن ما لن تجلوه تماماً هذه الانتخابات، سيُناط بالانتخابات العامّة أن تجلوه كليّاً. فلننتظر بلهفة وبقلق أيضاً.

التعليق