الطيور المهاجرة

تم نشره في السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009. 03:00 صباحاً

 

* تضمنت الرحلات والهجرات فنونا ومعارف وثقافات جديدة أخذت وأعطت، ثم أنتجت معرفة وثقافة مختلفة يصح أن تسمى أدب المهجر، وقدمت زادا روحيا وعاطفيا كان أساسا لروائع أدبية وفلسفية

يشكل الأدب العربي المهاجر ظاهرة مهمة وكبرى في الثقافة العربية والعالمية أيضا تؤشر على ما يمكن للتفاعل الحضاري والهجرة نفسها أن تطلقه في روح الإنسان وأفكاره ومشاعره، وما يمكن أن تقدم إلى الثقافة والحضارة، ففي هجرتهم المتواصلة عبر التاريخ والجغرافيا قدم العرب تراثا عظيما في أدب الرحلات والحنين والشوق والسلام الروحي والتصوف والمراجعات الفكرية والفلسفية التي أغنت الحضارة العربية والعالمية أيضا.

وفي الرحيل والمغامرة الآرامية والفينيقية والعربية منذ فجر التاريخ عرفت البشرية التجارة والمقايضة والكتابة والسفن المتطورة التي جابت بحار العالم والطرق البرية والبحرية والمدن والحواضر والأسواق التي قامت على امتداد هذه القوافل من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، فكانت دول وحضارات قائمة على الهجرة والسفر والطرق والقوافل، مثل الآراميين والفينيقيين والأنباط، والأندلس، تلك التجربة الحضارية والثقافية العربية المميزة.

 وفي مرحلة الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر الميلادي شكل هؤلاء المهاجرون والرحالة أساسا علميا ومعرفيا للكشوف والرحلات العلمية والتجارية والعسكرية.

وتضمنت هذه الرحلات والهجرات فنونا ومعارف وثقافات جديدة ومهجنة أخذت وأعطت، ثم أنتجت معرفة وثقافة مختلفة يصح أن تسمى أدب المهجر، وقدمت زادا روحيا وعاطفيا كان أساسا لروائع أدبية وفلسفية ظلت الأجيال والأمم تتناقلها باهتمام وتأثر بالغ، من طلليات امرئ القيس وشعراء الجاهلية التي جعلتنا نعرف أسماء الأماكن المهجورة في الصحراء (سقط اللوى والدخول وحومل، ..) ربما أكثر من المدن والدول القائمة والعامرة اليوم، إلى الحنين والشوق الذي يذيب الصخر، ويفجر العواطف ويسمو بالروح، مثل يتيمة الدهر لابن زريق مرورا بآلاف بل وعشرات الآلاف من القصص والشعر والروايات الخالدة.

ولدينا في العصر الحديث من الأدب العربي المهاجر تراث كبير ينمو ويزيد بلا توقف، فمع موجة الهجرة إلى العالم الجديد في القرن التاسع عشر وما تلاه ثم في رحلات الشباب بحثا عن الحرية والعلم وطلبا للرزق في الغرب والخليج وفي سائر أنحاء العالم تشكلت تجربة عربية أدبية متقدمة في التفاعل والأخذ والعطاء من التجارب والثقافات، وتفجرت أيضا طاقات وعواطف كامنة ما كان لها أن تظهر لولا الهجرة، كأنه (المهاجر) في الأدب والثقافة والحضارة مثل ذلك القديس الذي يقدم الفداء من الألم والتضحية، والذي تقوم عليه معظم إن لم تكن جميع الأفكار العظيمة والأديان والحضارات، فداء إسماعيل، وآلام المسيح، وهجرات الأنبياء والقديسين، والرحلات الطويلة للرهبان والنساك في كل الأديان والحضارات في الجبال والصحارى والصوامع.

واليوم مع تواصل الهجرة وموجاتها ومع العولمة والتطور الكبير في تقنيات المواصلات والاتصال والمعلوماتية والإعلام هل بقيت الهجرة أدبيا وثقافيا كما كانت؟ أم أنها أخذت مفاهيم وأبعادا جديدة مختلفة وأكثر تعقيدا وفي الوقت نفسه أقل ألما، الألم الذي يطلق الروح وأشواقها، ويفتح عقل الإنسان على أسئلة جديدة؟

إن الذهن ينصرف تلقائيا عند ذكر مصطلح المهجر إلى تلك المجموعة من أدباء الشام الذين هاجروا في الفترة ما بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، مثل جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، والياس فرحات، وإيليا ابو ماضي، ويمكن أن يضاف إليهم إدوارد سعيد، وأمين معلوف، ولكنها تسمية يجب أن تشمل في العصر الحديث كل هؤلاء المهاجرين العرب في أنحاء العالم وبين أقطار الوطن العربي أيضا لأنها هجرة أطلقت طاقات وأنشأت خبرات ومعارف جديدة، وكان لها تأثير على الأدب العربي وعلى الأدب في بلاد الهجرة أيضا، ومن ثم فإنها دراسة متواصلة ومتراكمة ولا تقتصر على تجربة تاريخية انقضت، وإن تغيرت طبيعتها ودوافعها، وتغيرت أيضا البيئة المحيطة بها، فلم تعد الهجرة انقطاعا فيزيائيا كبيرا عن الأوطان يعوض بالتواصل الروحي والعاطفي، فالهجرة ليست فقط ذلك الحنين النبيل والعذب إلى الأوطان والأهل، ولكنها فيما أضافته إلى أصحابها وللحركة الثقافية والفنية بعامة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق