إبراهيم غرايبة

السياسة والإصلاح: من المومياء إلى الطيور النادرة

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

تبدو البرامج السياسية والتنموية الرسمية والمجتمعية في منهجها وفلسفتها وكأنها تقتبس أسلوب المحافظة على المومياءات المكتشفة أو الفراشات المهددة بالانقراض، كيف؟ يحرص الآثاريون عند اكتشاف مومياء وكثير من الآثار الأخرى مثل الأواني الزجاجية والخزفية على عزلها تماما عن الهواء والضوء والبيئة المحيطة لأنها يمكن أن تتلف وتتفتت بمجرد تعرضها للضوء والهواء! وفي حماية البوم النادر المرقط يركز القائمون على رعايته جهودهم على حمايته من البيئة المحيطة بتوفير بيئة خاصة تساعده على البقاء والتكاثر، وهكذا فإن الديمقراطية والتنمية السياسية والحريات العامة وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وتمكين المرأة والمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة والشراكة لأجل التنمية والديمقراطية وتعزيز الكفاءات الشابة والأحزاب السياسية والتنافسية وحماية البيئة والفنون التشكيلية والمسرح ومواجهة جرائم الشرف والغابات وأشجار الملول... وغيرها كثير من الأعمال والأهداف الجميلة يجري التعامل معها وكأنها مومياءات وتحف وطيور نادرة تبذل لأجل المحافظة عليها أموال وجهود طائلة جدا، ولكنها تبقى معزولة تماما، وكأن كل ما يبذل لأجلها يأتي في محصلته ونتيجته النهائية لإبعادها والقضاء عليها أو إبقائها غير قادرة على الحياة بدون هذه العناية المركزة والكثيفة، ثم تتحول العناية نفسها إلى منظومة من المؤسسات والاستثمارات والمشروعات غير المرتبطة بالمحافظة على الحريات والديمقراطية أو الطيور والتحف النادرة إلا بمقدار ما يزيد المشروعات والاستثمارات، فيحدث توازن بين ضرورة بقائها نادرة لتبقى المشروعات والاستثمارات الهائلة، لأنه في المرحلة التي تصبح فيها الحريات والغابات والبدن شائعة ومنتشرة وقادرة على الحياة والبقاء مثل طيور الدوري والمقاهي والموبايلات وذباب الغور ستختفي مؤسسات ووزارات ومعونات دولية ومؤتمرات ومكاتب وسيارات ورحلات ومياومات وجمعيات تطوعية ووكالات، ستصبح جميعها مثل وزارة التموين لا لزوم لها، تماما مثلما يحدث لو اختفت نهائيا الأحزاب والمعارضة والزنبقة السوداء والشواهين والقنافذ والغزلان.

وهنا تتحول الرواية إلى مشهد أكثر تعقيدا، فالمتطوعون والمعارضة والشباب المتجمعون في البرامج والأعمال والمؤتمرات والمظاهرات والدورات التدريبية والمؤتمرات يرتقون بمعرفتهم وخبراتهم من انتظار القدر الذي يغلي بالحجارة إلى التجمع حول مطحنة متقدمة للحجارة، سيكون هناك مهندسون وبترول وطاقة وصيانة ومؤسسات وإدارة واجتماعات لتشغيل المطحنة، ويتواطأون جميعا على تجاهل أن الرحى لا تفعل شيئا، وبدلا من أن يطبخوها في القدر فإنهم يستخدمون تقنيات ومصانع ومؤسسات حديثة، وللأمانة أيضا فثمة حراك اقتصادي حول مطحنة الصوان، فهناك رواتب ووزارات ومؤسسات ومنظمات دولية وتوريدات وكمبيوترات وصيانة ونقل وعلاقات عامة وسكرتيرات وأوراق وكفتيريا وشاي وقهوة ونقابات للعاملين ودوام وحضور وانصراف وإجازات مرضية وعرضية وسنوية وموظف الشهر المثالي وإيميلات وإنترنت وفاكسات وضمان اجتماعي وإصابات عمل وإضرابات وتدريب وإتش آر وأقراص سي دي لعمرو خالد ومحمد الدرة ونانسي عجرم وأخرى بلا عنوان، حياة تهدر مليئة جميلة معقدة حافلة ممتعة تحميك من رؤية شروق الشمس وغروبها، إلا إذا ذهبت في العام او العامين مرة لترى "السن ست" في رم، ما ودّك تشوف السن ست؟ يقول الدليل من أهل المنطقة متبسما يكتم سخرية، فأطلقنا نظرات متبادلة بأننا فاهمون على بعض، بالمناسبة كم أصبح عدد حيوانات البدن في محمية الشومري؟ أليس المفروض بعد هذه السنوات الطويلة من الحماية أن يكون عددها بالملايين، أليس المفروض أن يكون حولها اليوم موارد كبيرة ومتجددة في الصناعات الغذائية والجلود، وأن بلدات ومصالح تتجمع وتتشكل حولها؟

آخر الكلام: لبدر شاكر السياب

وفي العراقِ جوعٌ

وينثرُ الغلال فيه موسم الحصاد

لتشبعَ الغربانُ والجراد

وتطحن الشوان والحجر

رحىً تدورُ في الحقولِ… حولها بشر

ومنذ أن كنّا صغاراً، كانت السماء

تغيمُ في الشتاء

ويهطلُ المطر

وكلّ عامٍ - حين يعشبُ الثرى- نجوع

ما مرَّ عامٌ والعراقُ ليسَ فيه جوع

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق

من زهرة يرُبّها الفرات بالندى

 ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق