زليخة أبوريشة

فلسطين في عين مقدسيّة

تم نشره في الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

كَأنّها حُلُم نوقظه من عتمته عندما نكتب عنه. تلك هي فلسطين. كأنَّها ذاكَ البساط الشاسع من الخضار، تتراقص عليه الألوان، وفجأةً تعدو في مداهُ مهرةٌ بيضاء من تلك التي تعدو في رواية ابراهيم نصرالله "زمن الخيول البيضاء"، عندئذ ندرك أنها فلسطين. كأنّها ذاكَ الصرير الذي في الغابات توقفه على حين غرّة نجمة هَوَتْ نحو أفق جدار القدس.. فنفهم أنها فلسطين. لا جمالَ خارقاً لوطن مثل أن يكون لفلسطين متروكة هكذا في عراء الانتساب.

فلسطين واحدة ومتعددة بعدد شعر الرأس، بعدد القلوب التي ترتعش سرّاً بعشقها خوفا على زجاج معناها الثمين أن ينكسر. فلسطين التي قرأتُها مؤخرا في كتاب فلسطينية كتبت ذكرياتها ثم دخلت غيبوبة النسيان الذي هو صنو الموت الرحيم. السيدة هي: سيرين الحسيني زوجة الراحل الفلسطيني الحيفاوي الدكتور منيب شهيد، ووالدة السفيرة ليلى شهيد وميّة شهيد وزينة شهيد، الصبايا الجميلات اللواتي شاغلهن أن يحكن طوال النهار وأطرافا من ليلنا الغامض كنزة لفلسطين.

عندما ذهبت السيدة سيرين إلى لندن للعلاج من بعض أمراض شيخوختها، قرأ ضابط المطار في هيثرو أنها ولدت في القدس/ فلسطين، فقال لها: لا يوجد شيء اسمه فلسطين، وبعد نقاش أفهمته المتألمة حقيقة تاريخية بسيطة. وقررت أن تكتب شيئا لفلسطين، ولم يكن لديها أجمل من ذكرياتها, فانصرفت إليها تنبش في صُرّتها التي حملتها معها إلى المنفى والشتات.

ولما كانت تريد أن تُفهم ذاكَ العالم الذي لا يعرف شيئا عن فلسطين، فقد كتبت تلك الذكريات باللغة الانجليزية التي تتقنها. فهي خريجة الجامعة الأميركية. وقد قرأ الكتابَ في مخطوطته الراحل ادوارد سعيد فقدم له وشجعها على نشره حيث كانت مترددة.

ونُشر الكتاب بالانجليزية أولا, ثم ترجم إلى الفرنسية فالعبرية، وأخيرا رأت الترجمة العربية النور قبل أيام، بعد رحيل المؤلفة: بعنوان "ذكريات من القدس" (2008، دار الشروق، عمّان، رام الله).والذي ترجم النص من الفرنسية إلى العربية كان الدكتور محمد برّادة: الناقد والروائي المغربي المعروف- وصهر المؤلفة، بلغة أنيقة وبيان ناصع.

عندما قرأت الكتاب لم أستطع أن أفلته حتى أنهيته، وفعلت ذلك في ليلتين متتاليتين، مع أنه يبلغ من الصفحات 304 ثلاثمئة وأربع صفحات. إنه رحلة في حيوات أشخاص ولدوا وعاشوا ومات بعضهم قتلا في فلسطين وتشرّد جميعهم، أو معظمهم في المنافي..

أشخاص ملحميون كأنما نبتوا في إحدى روايات تولستوي أو آرنست همنجوي. أشخاص كانوا يتحركون على صفحات الكتاب، بما فيهم سيرين الحسيني نفسها، كأنما هم من الخفة بحيث ما نلبث أن نعدو خلفهم بعد انتهاء الكتاب لنتتبّع مصائرهم. لقد بهرتني تلك القدرة العفوية التي جعلت الكاتبة المؤلفة تسوقني بلطف جمّ الى مشاهدة فلسطين في تفاصيلها, وتسوقني بحميّة إلى مشاهدة عِراك اهل فلسطين مع آلة المحتل، ومن دون أن تريق قطرة دم على صفحات الكتاب، كان الشهداء يتساقطون من أقاربها وناسها وجيرانها وأصدقاء عائلتها ومن تعرف. وبمقدار ما تستوعب ذاكرة طفلة فيافعة فشابة، قصّت سيرين قصص الأمكنة والبشر مغسولة بكثير من الحنين الراقي، ومدعوكة جيدا بعضلات قلب مُحِبّ، ولم تقع ولو مرّة واحدة في ابتزاز سخيف للعواطف، بل على العكس، كانت حكمة امرأة ذات تجاريب، تلخص الألم في أوجز ما يكون من العبارات:

"وأول شيء أحرص على قوله: هو أنه لا شيء كان يميّزنا عن بقية سكان هذه المعمورة، لكن مصيرنا لم يكن مثل مصيرهم" (ص: 9)

"كنّا قد اجتزنا الحدَّ القَدَريّ بين حياتنا في القدس وحياة المنفى، إلا أنه كان يلزمنا عدّةُ عقود حتى ننتبه حقيقة، إلى ذلك" (ص 149)

"مرت سنون على موتها، إلا أنني ما أزال أفكّر في روح جدّتي وهي هائمة وسطَ ذلك الامتداد الصحراوي الشاسع, بعيدة، جدّ بعيدة عن بيتها" (ص 191)

وتقول عن أمّها: "وأتذكر أنّ دمعة كانت تبدو دائما لامعةً في عمق عينيها الخضراوين، وأظنها أنها لم تغفر قطُّ للعالم قسوته" (ص 303)

"كانت قد مرّت عدة سنوات على استقراري في بيروت. وبناتي الثلاث قد كَبُرن، وفلسطين تبدو جدّ بعيدة" (ص 275)

وفي جنازة خالها موسى العلمي قالت: "... توحّدت اصوات المآذن وأجراس الكنائس لتستقبل ابنا فلسطينيا عرف اخيرا طريق العودة" (ص 262)

"بعد عودتي إلى الفندق، أمضيت ما بعد الظهر في الفندق، أمضيت ما بعد الظهر في الشرفة مستمتعة بالصنوبر وبالمدينة الممتدة الى بعيد (بيروت). إن النسيم الذي يداعب أغصان الشجر يأخذ معنىً جدّ خاص في هذا المكان.

وأنا قاعدة على كرسي طويل وكأنني داخل مسرح، أخذت تمرّ أمام عيني حياتي وحياة عائلتي في القدس.

كنت أنصت إلى ضوضاء الماضي وأستمع مرة أخرى إلى حكايات ذلك الزمان الذي مضى إلى غير رجعة" (ص 250)

هذه نتف من كتابي ذكريات فلسطينية، كتب ببساطة متناهية تشبه القص على أحفاد: ولكنه- يا للإعجاز- يستحضر فلسطين بكل جمالها وبهائها وكأنها انتُهِبت بالأمس.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فلسطين ليست مجرد المكان انها الزمان ايضا ... (محمد الرواشده)

    الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2009.
    فلسطين ذلك الجزء العزيز و الغالي ارض الاسراء و المعراج هي درة فقو رؤوسنا نحن معشر العرب و المسلمين ...
    فلسطين ارض الرسالات السماوية و مهد الحضارات هي الاسمى و الاغلى و الاعظم ...هي وطننا نحن العرب و هي قضيتنا ايضا هي سحر المكان و الزمان .
    فلسطين لن تنسى و ستبقى حية بقضيتها المقدسة و شعبها المناضل العنيد..
    لك يا مسرى الرسول الكريم تحية و شغف لا يفنى ..لك حبنا و اشتياقنا
  • »شكرا (عصام السعدي)

    الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2009.
    شكرا لك على هذه الإضاءة
    ولعلنا بحاجة إلى تذكير العالم أننا اناس بسطاء لنا همومنا الصغيرة وأحلامناالكبيرة وانكساراتنا... وإلى أننانضطر احيانا إلى أن نكون شهداء غير أننا نفضل لو أعطينا الفرصة في أن نبقى بسطاء وأحياء في وطن صغير جميل اسمه فلسطين..
    أظن أن عليَّ ان أسارع لقراءة هذا الكتاب لأتعرف إلى ذاكرة واحدة من جداتنا الجميلات...النبيلات
    مع التحية
  • »"انما الناس سطور ...لكن كتبت بماء" (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2009.
    في قصيدة اعطيني الناي وغني والتي كتب كلماتها الفيلسوف العربي جبران خليل جبران ، ولحنها الأستاذ نجيب حنكش ، وغنتها السيدة فيروز بقول جبران في السطر الأخير:
    "انما الناس سطور لكن كتبت بماء"
    هنالك من كتبوا سيرتهم بماء الذهب الفرعوني ليبقى خالدا في أذهان الأجيال كلهم حتى لا تموت الحقيقة
    فهذه السيده كغيرها من أهل فلسطين قد نحتوااعمالهم بالصخر وبحبرمن ذهب لتحيا هذه السير..
    وصف الشاعر الفلسيطيني أحمد دحبور في الثمنانيات يصف بها الفلسطيني اذ قال ."انا المطعون بكل حراب الأهل على كل الساحات "
  • »فلسطين ... (حمزة تفاحة ..)

    الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير 2009.
    يكفيها انها فلسطين قاموس العمر وابجديات اللغة واول قطرة حب في القلب واول خطوة واثقة على ارض تنتشر فيها اللاعدالة ..
    فلسطين عروس العروبة ومهد الطفولة والحضن الوحيد لشتات الارض من العاشقين الهائمين ويكفينا فخراً اننا ننتسب اليها..
    ويكفيها انها وطناً للانبياء وتاجاً للعرب .. فهنيئا لكل عربي كونه ينحدر بداية من فلسطين ليستقر اينما يريد ..ففي البداية كانت فلسطين ، ثم اصبحث جميع البلاد ..