الأكراد في جولة المالكي بين أنقرة وطهران

تم نشره في السبت 27 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

من المرتقب أن يزور رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، خلال الأيام القليلة المقبلة، كلا من تركيا وإيران. أكثر من مصدر كردي عراقي قريب من مواقع القرار في أربيل، يبدي شكوكاً في شأن الزيارة التي تأتي، بحسب هذه المصادر، شبه مفاجئة. فبغداد التي تنتظر، خلال الاسابيع المقبلة، وصول رئيس الجمهورية التركي عبدالله غُل، بدأت، منذ أقلّ من شهر، تنهمك في زيارات ديبلوماسية الى أنقرة آخرها تلك التي قام بها نائب رئيس الجمهورية زعيم جبهة التوافق العراقية طارق الهاشمي.

بغداد لم تكشف عن فحوى هذه الزيارات. لكن المصادر الكردية نفسها لا تخفي ارتيابها من محاولات ديبلوماسية يقوم بها مسؤولون عراقيون لثني الرئيس التركي عن زيارة العراق في هذه المرحلة. أو على الأقل، إقناعه بشطب الفقرة المتعلقة بزيارة كركوك واربيل من جدول زيارته. يشار الى أن أنقرة وأربيل تحدثتا عن أن الرئيس غُل ينوي زيارة مدينة كركوك والإطلاع المباشر على المنازعات الجارية بين مكوناتها السكانية، إضافة الى محاولته إقناع هذه المكونات بحل خلافاتها في إطار الدستور العراقي بعيداً عن اللجوء الى الحلول الدموية.

في هذا الإطار، تؤكد تلك المصادر التي لم تشأ ذكر اسمها، أن المالكي مستاء من قرار أنقرة تطبيع علاقاتها مع حكومة إقليم كردستان العراق. بل انه يعتقد أن استكمال التطبيع لا يمكن أن ينتهي سوى الى تعزيز موقع الأكراد في العراق، ما يمكن أن يلحق الضرر بجهوده الرامية الى تقليص الدور الكردي وقطع علاقاته مع الفضاء الإقليمي. في هذا المنحى، يؤكد أكثر من مسؤول كردي في بغداد أن رئيس الوزراء العراقي لا يرى أن المواجهة العسكرية خيار عملي للتعامل مع الأكراد أو لتضييق الخناق عليهم وتقليص دورهم. بل يعتقد أن الوسيلة الاجدى في هذا المضمار هي العمل السياسي والديبلوماسي الدؤوب الذي يضمن تطويق الحالة الكردية سياسياً واقتصادياً، وقطع علاقاتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

فالأكراد، في حسابات المالكي، يشكلون في عراق اليوم مشكلة مزدوجة: اثنية لجهة تعارض هويتهم القومية مع هوية (العروبة) في العراق. ومذهبية لجهة تعارض هويتهم السنّية مع محاولات التكوين السياسي الشيعي لفرض سيطرته على الدولة العراقية. لكن المشكلة أن الوضع الكردي الراهن ليس وليد اليوم، إنما مضى عليه أكثر من ستة عشر عاماً، استطاعت خلاله السياسة الكردية من تثبيت موقعها وتجربتها الاقتصادية والسياسية والعلاقاتية، ما يعني أن الطريق الوحيد المتاح أمام بغداد لكسر شوكتها، هو تأليب الأطراف الإقليمة ضدها وإقناع تلك الأطراف بعدم التعامل الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي أو العسكري والأمني معها، إضافة الى تجنب الدخول مع كردستان العراق في تبادلات اقتصادية وتجارية خارج إطار الدولة العراقية.

يشار الى أن أحاديث رسمية وغير رسمية عدة انتشرت في الآونة الأخيرة عن تعاون كردي تركي لطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني من كردستان العراق. في الوقت عينه، لا يستبعد مراقبون أن تحذو طهران حذو أنقرة في التعاون الأمني والعسكري مع أكراد العراق لطرد مجموعات من المقاتلين الأكراد الإيرانيين ينتشرون بالقرب من حدودها في جبال قنديل الكردستانية العراقية. في هذا المعنى، لا يمكن ثني العاصمتين من التوجه نحو الأكراد، في قناعة الحكومة العراقية، سوى عن طريق التلويح لأنقرة بمخاطر هويتهم الاثنية ولإيران بمخاطر هويتهم المذهبية.

في الواقع، لم تشعر بغداد، تاريخياً، بصعوبة في إقناع أنقرة بضرورة التعاون الثنائي ضد الأكراد. ففي الثلاثينات من القرن الماضي عقدت الحكومتان العراقية والتركية إتفاقاً أمنياً لملاحقة الناشطين الأكراد. في ما بعد، تعاونت الدولتان ضد الأكراد في إطار حلف بغداد (1955). وفي عام 1984 وقعت الحكومتان إتفاقية أمنية مشتركة أعطت تركيا الحق في ملاحقة مقاتلي حزب العمال عسكرياً داخل الأراضي العراقية. في ما بعد، حاولت حكومة المالكي، مطلع عام 1997، توقيع إتفاقية أمنية جديدة مع أنقرة بغية التعاون الثنائي الخاص بملاحقة مقاتلي حزب العمال. وكان وزير الداخلية العراقي جواد البولاني قد توصل مع كبار المسؤولين الأتراك الى هذه الاتفاقية خلال زيارة قام بها الى أنقرة. لكن بعد عودته، لم تنل الاتفاقية تصديق البرلمان العراقي نتيجة المعارضة الساخنة التي أبدتها الكتلتان الكردية والشيعية.

في السياق ذاته، لا تستبعد المصادر الكردية عزم المالكي إعادة الحديث مع أنقرة عن مسودة الاتفاقية الأخيرة. ذريعته أن بغداد تريد تطمين دول الجوار حيال اتفاقيتها الأمنية مع الولايات المتحدة عن طريق عقد اتفاقيات أمنية ثنائية مع بعض الدول ذات الاهتمام الأمني بالوضع العراقي كإيران وتركيا. هنا، يرتاب الأكراد من أن الهدف ليس هو التطمين، إنما تعبيد الطريق أمام اتفاقية أمنية مع طهران، وإقناع أنقرة بأن توقيع إتفاقية ثنائية بين بغداد وأنقرة يغني عن أي تعاون تركي مع الأكراد. ففي قناعة المالكي أن تعاوناً كهذا، يمكن أن يحضّ الأكراد على إضعاف السلطة المركزية العراقية وتفكيكها كمقدمة لقضم كركوك واستخدامها قاعدة اقتصادية نفطية لإعلان دولتهم القومية المستقلة.

هنا، يصح التساؤل: هل يمكن لهذا التفكير السياسي في بغداد أن يفيد في بناء جسور الثقة المفقودة بين العراقيين؟ هل يمكن أن يفيد في معالجة جروح دولة جارة كتركيا؟ ثم هل يفيد في دعم عملية الاستقرار في منطقتنا التي لا تني تأن من فرط النزاعات وبؤر التوتر؟ بالطبع، الجواب الأقرب الى الواقعية هو: كلا. فالأكراد ينتشرون على أرض طولها أكثر من ثلاثمائة كيلومتر هي المساحة الطولية للحدود بين الدولتين العراقية والتركية، ما يؤكد أن الأكراد هم صمام أمان أي استقرار منشود في هذه المنطقة الجبلية الوعرة. ثم إن القدرات الميدانية والأمنية والجغرافية التي يمتلكونها كفيلة بمعالجة مشكلة حزب العمال بشكل يعجز عنه الآخرون. كما أن زعامتهم السياسية التي يهمها التطبيع العراقي التركي، لم تبد في يوم من الأيام إشارة ولو خفيّة، الى رغبتها في إعادة الأمن والاستقرار الى الحدود المشتركة مع تركيا بعيداً عن المظلة الوطنية العراقية. الى ذلك، شددت هذه الزعامة على الدوام أن عزمها على التطبيع مع أنقرة لا يمكن أن يندرج خارج فضاء التطبيع العراقي التركي الأشمل. والأهم، ان تركيا التي تريد الانفتاح، لا تنتهج طريق التعاون والتطبيع مع الأكراد لدواع متعلقة بمحاربة حزب العمال، إنما لاتساع دورها الديمقراطي في الشرق الأوسط وتنامي قدرتها على فضّ النزاعات والخلافات في المنطقة، وشعورها أن دورها الريادي الجديد في الشرق الأوسط يفرض عليها التطبيع، أولاً، مع أكرادها في الداخل، وثانياً، مع أكراد العراق. لكل هذا، لا ترى المصادر الكردية احتمالاً، ولو ضئيلاً، في أن يلقى المالكي أذناً صاغية في أنقرة لتجاوز قرارها بالتعاون المباشر مع الأكراد. صحيح، سيحرص الأتراك على طمأنته من أن تعاونهم مع الأكراد لا يمكن أن يقفز على مصالح بغداد. لكن الأصح، أنهم سيؤكدون له أن بلادهم قررت تغيير سياستها الخاصة بمعالجة مشكلة حزب العمال لأسباب تتعلق بمصالحها الوطنية والسيادية وأن هذا القرار، تطور لا رجعة فيه.

* كاتب ومحلل سياسي كردي

التعليق