إبراهيم غرايبة

نهاية المؤلف

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

مقالة الأول من أمس عن نهاية المؤلف وعلاقة ذلك بالإنترنت لم تكن تهدف إلى مناقشة فكرة كتب بلا مؤلفين أو مشاعية الأفكار والروايات والأفلام لتصبح بلا نهاية ولا مسار محدد وأن تكون مفتوحلة لكل من يشاء ليعدل ويحرر، موسوعة بيكيبيديا على سبيل المثال تحولت إلى قاعدة معرفية يشارك في تأليفها وتحريرها جميع الناس، إلا بمقدار ما يساعدنا على البحث في الفكرة التي أردت مناقشتها هي أن المدونات تنشئ سؤالا وجوديا، من هو الكاتب؟ هل بقي مجال لوظيفة اسمها الكاتب الصحافي؟ ماذا بقي للأعمدة والتعليقات الصحافية من دور أو شأن؟ لماذا تتحمل الصحف نفقات مالية كبيرة لتوفير خدمة سيجد "الزبائن" مثلها وأفضل منها في المدونات؟ الحالة تشبه أن يمتلك جميع الناس القدرات والمهارات اللازمة لمعالجة أنفسهم (وأتوقع أنها حالة قادمة، وقد يشهدها جيلنا) سيكون لدينا سؤال ما معنى طبيب؟ وفي فرص تعليم الناس لأنفسهم ما يحتاجون إليه تقريبا سينشأ سؤال، ما معنى معلم وأستاذ؟ ما معنى مدرسة وجامعة؟ وأتوقع أيضا أنها حالة بدأت بالتشكل بالفعل، وهي قدرة الناس على تعليم أنفسهم، ولدينا اليوم قضايا مثل التعلم الذاتي والتعليم المستمر والتعلم أثناء العمل، والفتوى أيضا والتي شغلت الناس تتحول أو معظمها يمكن تحويله إلى برنامج كمبيوتر جاهز ومعد يتيح للناس بلا حاجة لوساطة علماء الشريعة كل أو معظم ما يحتاجون إليه في الفتوى والعلم، وعندما أقول معظم فلا أعني بالضرورة أن  ما تبقى سيكون علماء الدين قادرين على تقديمه وما يقدرون على تقديمه سيتحول فورا إلى خدمة متاحة ومبرمجة.

بالطبع فإن الأسئلة السابقة ليست إقرارا حتميا بنهاية الكتابة الصحفية ولا بضرورة الاستغناء عن هذه الخدمة في الصحف، كما أنها ليست دعوة للاستغناء عن الأستاذ والطبيب والعالم والمفتي، ولا هي تبشر بذلك، ولكنها محاولة للتفكير والإشارة إلى الفوضى القائمة اليوم في الكتابة الصحفية، وفي الطب والتعليم والفتوى والفقه، تعبير "الفوضى" هنا يعنى النظام الذي نجهله، فمن المؤكد أن الكتابة الصحافية تأخذ مسارا جديدا وحالة جديدة وفق نظام مختلف "مجهول" هذا الاختلاف أوالجهل به يجعله "فوضى"، و"الجهل" أيضا يحتاج لتحديد، فهو الانشغال بما لا نعرفه، أي أنه التعلم والمحاولة والبحث، أو علم ما لا نعلمه، والواقع أن الشبكية غيرت معنى المفاهيم والمصطلحات وليس فقط المهن والأعمال، فأصبح العلم هو الجهل، والنظام هو الفوضى، ولذلك فقد نشأ اليوم علم "تنظيم المعرفة" وإدارة المعرفة، باعتبار أن المعرفة هي المورد الأساس الذي تقوم عليه الحياة والاقتصاد والتجارة ورأس المال، وفي حالة التداخل واللبس في الموجودات والموارد أصبحنا بحاجة لنعرف ما لدينا وما ليس لدينا وما نحتاجه وما لا نحتاجه، هل ننفق مواردنا لنحصل على ما نحتاجه بالفعل؟ أم أننا نهدرها فيما ليس يلزمنا ولا نبذل المال والوقت والجهد المطلوب لنحصل على ما يلزمنا؟

ليس المطلوب الآن على الأقل أن نجيب عن السؤال، ولكنا بحاجة أن نعرف الوظائف الجديدة للصحافة والمدارس والمستشفيات والجامعات والمهن، وربما تساعدنا الرواية في السنوات الأخيرة على الفهم، ففي هذه الحالة من فقدان الشعور بالاتجاه ربما تكون الرواية هي الأقدر على طرح الأسئلة، وربما لا يكون احد اليوم قادرا على الإجابة، لأننا بعد لم نحدد الأسئلة؟ فلا نعرف ما هو السؤال حتى نبحث عن إجابة، ولكن يكفينا الشعور بالمشكلة، والإقرار بها، ولا بد من الاستدراك للقول بأن معنى المشكلة ليس هو المعنى النمطي السائد، ولكنها القضية أو المسألة، وكما يقال في التراث العربي "تحرير المسألة".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تنتهِ بالحنين..! (محمد حسن العمري - صنعاء)

    الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    بالحنين الى القرأة لا تنته مثل هذه (الُِحرف!) المرتبطة بالذوق والضمير معا ،فظهور الكاسيت والاقراص المضغوطة المتطورة لم ينه المسرح التقليدي ولا مسرح الموسيقى مثلا ، وظهور السينما البيتية -عبر الستالايت - ايضا لم ينه السينما عبر صالات العرض ،والكتب المنشورة عبر الوب لم تغني القارئ الحقيقي ان يقتني ببيته موسوعات يمكن ان يجدها عبر الوب..
    الحنين ووحده و الحنين يتمسك باشياء كثيرة كان من الممكن ان تكون انقرضت اليوم بفعل المدنية ، شأن ربطة العنق المزعجة التي يتمسك بها رجال السياسة والاعمال والفن رغم قناعة الجميع ان خلعها ارحب..!