اليسار في الشوارع

تم نشره في السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

باريس- ربما نستطيع أن نُـرجِع أعمال الشغب التي اندلعت في مختلف أنحاء اليونان إلى عدة أسباب، ولكن هناك سببا نادراً ما يُـذكَر، وهو يتلخص في انقسام اليسار في اليونان بين حزب جورج باباندريو الاشتراكي التقليدي (حزب باسوك)، وبين فصيل متطرف على نحو متزايد ويرفض كافة التسويات سواء مع الاتحاد الأوروبي أو الاقتصاد الحديث. وهذا الانقسام يعمل بدرجات متفاوتة على إصابة الأحزاب الاشتراكية في مختلف أنحاء أوروبا بالشلل.

الحقيقة أن خمول اليسار التقليدي وتقاعسه عن العمل في خِضَم الأزمة الاقتصادية الحالية لهو أمر أكثر من غريب. فبدلاً من استغلال الشكوك المتجددة بشأن الرأسمالية، فشلت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية في تحقيق أي نجاحات سياسية جادة. وفي البلدان التي تحكمها الأحزاب الاشتراكية، مثل أسبانيا، أصبحت هذه الأحزاب تعاني الآن من تدني الشعبية إلى درجة خطيرة.

أما في البلدان التي تحمل فيها الأحزاب الاشتراكية لواء المعارضة، كما في فرنسا وإيطاليا، فهي تعيش حالة غريبة من الفوضى ـ كما هي حال الديمقراطيين الاجتماعيين في ألمانيا، رغم كونهم جزءاً من الائتلاف الحاكم الأكبر. وحتى الاشتراكيون في السويد، والذين خرجوا من السلطة بعد أن ظل حزبهم يهيمن على السلطة في البلاد لمدة قرن من الزمان، فشلوا في استغلال الأزمة الحالية. وربما تشكل المملكة المتحدة الاستثناء الوحيد، رغم أن حزب العمال المناصر لنظام السوق والذي ساهم توني بلير في صياغة هيئته الحالية ربما لم يعد بوسعنا أن نعتبره من بين أحزاب اليسار.

لقد فشلت الأحزاب الاشتراكية الأوروبية في التعامل مع الأزمة كما يليق بسبب انقسامها. فرغم أن أغلب هذه الأحزاب نشأت مناهضة للرأسمالية (بدرجات متفاوتة) إلا أنها تقبلت نظام السوق الحرة باعتباره أساساً للاقتصاد. فضلاً عن ذلك، فمنذ العام 1991 وانهيار النظام السوفييتي، كان اليسار يفتقر إلى نموذج واضح يقتدي به في معارضة الرأسمالية.

ولكن رغم تشدق اليسار الأوروبي بنظام السوق إلا أنه ظل ممزقاً بفعل التناقض الداخلي بين أصوله المناهضة للرأسمالية وبين تحوله مؤخراً إلى اقتصاد السوق الحرة. هل الأزمة الحالية هي أزمة الرأسمالية بالكامل أم مجرد مرحلة من مراحلها؟ إن هذا الجدال يجعل مفكري اليسار وساسته مشغولين بإلقاء الأحاديث في البرامج التلفزيونية الحوارية والانخراط في مناقشات المقاهي في مختلف أنحاء أوروبا.

ونتيجة لهذا فقد اندلع صراع على السلطة. ففي فرنسا وألمانيا نشأ من تحت الرماد يسار متطرف جديد ـ مؤلف من أنصار المذهب التروتسكي والشيوعيين والفوضويين ـ لكي يشكل قوة سياسية مرة أخرى. وهذه الأشباح المتجددة الشباب تتخذ هيئة حزب اليسار الذي أسسه أوسكار لافونتين في ألمانيا، فضلاً عن العديد من الحركات الثورية المختلفة في فرنسا؛ حتى أن إحدى هذه الحركات أطلقت على نفسها بالفعل حزب مناهضة الرأسمالية. ويقول زعيم هذه الحركة، الذي كان ساعي بريد ذات يوم، إنه في ظل الظروف الحالية يشكل جزءاً من "المقاومة"، وهي الكلمة التي تحمل مسحة من النضال ضد الفاشية أثناء عهد هتلر. بيد أن البديل الحقيقي للرأسمالية، والذي يسعى هذا اليسار المتطرف إلى إقامته، هو في الواقع الأمر مطروح لتخمين أي شخص.

ولكن ماذا يستطيع الزعماء الاشتراكيون الأكثر رسوخاً أن يفعلوا في مواجهة هذا التطرف الجديد الذي يجتذب إليه بعض الاشتراكيين التقليديين؟ إنهم حين يميلون نحو التروتسكيين يخسرون أنصارهم من البرجوازيين؛ وحين يسعون إلى إيجاد أرضية مشتركة، مثلما فعل الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا، فإنهم يسمحون بذلك بنمو أحزاب اليسار. ونتيجة لهذه المعضلة فإن الأحزاب الاشتراكية في مختلف أنحاء أوروبا تبدو الآن مشلولة.

وهي مشلولة بالفعل. إذ إنه من الصعب في الواقع أن نجد من اليسار أي تحليل مقنع لأزمة اليوم غير الشعارات المناهضة للرأسمالية. فالاشتراكيون يلومون أصحاب المال الجشعين، ولكن من منا لا يلومهم؟ وإذا ما تحدثنا عن العلاجات فإن الاشتراكيين لا يطرحون أي شيء غير الحلول الكينيزية التي يقترحها اليمين الآن.

منذ تقدم جورج دبليو بوش الطريق نحو تأميم البنوك، والإنفاق العام الضخم، وعمليات إنقاذ الصناعات، والعجز في الميزانية، لم يعد أمام الاشتراكيين مساحة كبيرة للمناورة. والآن يحاول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إعادة تنشيط النمو من خلال سبل الدفاع القائمة على إجراءات حماية "الصناعات الوطنية" والاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية العامة. ما الذي يستطيع الاشتراكيون أن يطالبوا به أكثر من ذلك إذن؟ فضلاً عن ذلك فإن العديد من الاشتراكيين يخشون أن يؤدي التوسع في الإنفاق العام إلى التضخم، وأن يكون ناخبوهم أولى ضحاياه.

حين تحول اليمين نحو تأييد سيطرة الدولة والنظريات الكينيزية أصبح المؤمنون الحقيقيون بالسوق الحرة مهمشين، وأصبحت مناهضة الرأسمالية على الطراز القديم تبدو بالية عتيقة، حتى بات المرء يتساءل عما قد يعنيه تعبير الاشتراكية في أوروبا حقاً.

لقد بات مستقبل الاشتراكية الأوروبية أيضاً مكبلاً، وعلى نحو غريب، بفعل تصرفات الاتحاد الأوروبي. إذ أصبح من المستحيل في الوقت الحاضر بناء الاشتراكية في دولة واحدة لأن الاقتصاد الأوروبي مترابط ومتشابك إلى حد كبير الآن. وكان آخر زعيم يحاول فرض الاشتراكية في تحرك منفرد هو الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في العام 1981، ولكنه استسلم للمؤسسات الأوروبية في العام 1983.

إن هذه المؤسسات القائمة على التجارة الحرة، والمنافسة، والعجز المحدود في الميزانية، والسياسات النقدية السليمة، هي في الأساس مؤيدة للسوق؛ وهذا من شأنه ألا يسمح للاشتراكية الديمقراطية بفرصة كبيرة للمناورة. ولهذا السبب يضمر أقصى اليسار العداء لأوروبا.

ويجد الاشتراكيون الأوروبيون أيضاً صعوبة في تمييز أنفسهم في الشؤون الخارجية. فقد تعودوا على مناصرة حقوق الإنسان كرد فعل منعكس، أكثر من كونهم ينتمون إلى أحزاب محافظة. ولكن منذ تبنى جورج دبليو بوش هذه الأفكار كجزء من حملاته في الترويج للديمقراطية، أصبح الاشتراكيون الأوروبيون يتوخون المزيد من الحذر في التعامل معها.

فضلاً عن ذلك، فقد أصبح لدى الاشتراكيين الأوروبيين في غياب الاتحاد السوفييتي القليل من القضايا الخارجية التي يمكنهم تبنيها: فالقليلون منهم يفهمون روسيا تحت زعامة بوتن، كما أصبحت الصين الشمولية الاشتراكية اليوم بعيدة كل البعد وغريبة. ومنذ انتخاب باراك أوباما لم تعد مناهضة أميركا تشكل وسيلة صالحة لكسب التأييد. لقد ولت الأيام الطيبة حين كان بوسع التروتسكيين والاشتراكيين أن يقفوا على أرض مشتركة في تقريع الولايات المتحدة.

بطبيعة الحال، لن يؤدي ضعف اليسار وانقسامه إيديولوجياً إلى استبعاده من السلطة. فهو قادر على التشبث بها، كما يفعل خوسيه ثاباتيرو في أسبانيا وغوردون براون في المملكة المتحدة. وقد يفوز اليسار في نهاية المطاف بالانتخابات العامة في أماكن أخرى من أوروبا إذا ما أثبت اليمين الكينيزي عجزه عن إنهاء هذه الأزمة. بيد أن الاشتراكيين لم يعد لديهم برنامج عمل متميز، سواء كانوا في المعارضة أو السلطة.

ولكن الدرس الذي لابد وأن يستمد من أحداث اليونان هو أن أشد ما يتعين على الاشتراكيين الأوروبيين أن يخشوه هو تلك الموهبة التي يتمتع بها اليسار المتطرف في تعطيل أي شيء. إن تفريغ الاشتراكية من محتواها لن يمر بلا عواقب. وفي صياغة جديدة لأحد تعبيرات ماركس أستطيع أن أقول: "هناك شبح يخيم على أوروبا ـ إنه شبح الفوضى".

* فيلسوف واقتصادي فرنسي، ومؤلف كتاب "إمبراطورية الأكاذيب".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق