الإسلام السياسي، في المغرب، التوجه إلى الاعتدال

تم نشره في الخميس 18 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

تاريخ الحركات الإسلامية في العالم العربي ينضح بالدم والعنف، لكن التجربة المغربية نجحت في ترويض جزء منها. فتحولت إلى فاعل سياسي. نتج عن هذا التحول إسلام سياسي معتدل. إسلام ليس رسميا، وليس متطرفا. إنه إسلام ثالث يؤمن، على مستوى الخطاب على الأقل، بالقيم الديمقراطية، من الانتخابات إلى ترشيح المرأة وصولا إلى العمل النقابي وغيرها.

يتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية الذي نجح قياديوه في الانتقال به من الفكر التكفيري الذي يتبنى العنف إلى مستوى التنظيم السياسي المشتغل في إطار القانون. كثيرون حاولوا تفسير هذا الصعود، لكن ومهما اختلفت التفسيرات فإن الإسلام السياسي أصبح يفرض نفسه بقوة. ورغم انحدار الحزب من رحم الإسلام المتطرف (الشبيبة الإسلامية التي تبنت العنف من أجل التغيير بقيادة عبد الكريم مطيع خلال ستينيات القرن الماضي)، فقد خضع لظروف جعلته يقبل باللعبة الديمقراطية.

في الوقت الراهن، يعمل حزب العدالة والتنمية كممثل للاتجاه الإسلامي في إطار الشرعية. فقد برهن عن قدرة كبيرة للتأقلم مع متغيرات العصر، بعد أن جدد هياكله وراجع خطابه. وتعزز ذلك بعد مؤتمره الأخير الذي عرف، بشهادة الأعداء والأصدقاء، مستوى كبيرا من النضج، وتداولا سلميا للقيادة بين زعيمه المغادر سعد الدين العثماني وقائده الجديد عبد الإله بن كيران، وبذلك صار نموذجا في الديمقراطية،على الأقل من حيث الشكل.

تعود قوة انتشار الحزب وسرعة صعوده، إلى قوة الإسلاميين في تعبئة الناس. إنهم يقدمون، لكل الأزمات حلولا بسيطة تبشر بالخلاص في الدنيا والآخرة. هذا البعد الساذج والبسيط، يجد قبولا كبيرا من طرف كل الفئات وخاصة المحرومة منها.

ومع ذلك لا تزال الحركة الإسلامية بالمغرب، حسب بعض منظريها، تعاني من بعض الضعف مقارنة بنظيرتيها الجزائرية والتونسية. يرجع ذلك بالخصوص إلى أصولية الدولة نفسها، بسبب احتكار الملك للحقل الديني باعتبار الدستور المغربي ينص على كون الملك "أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين".

يمنع في المغرب على غير المؤسسة الملكية التحدث باسم الدين، لكن إسلاميي المغرب يستغلون ذلك للتغلغل أكثر في الأوساط الاجتماعية المختلفة. إن الدولة، حسب تصورهم إسلامية من حيث المبدأ، لذلك ينصب اهتمامهم نحو الضغط من أجل أسلمة المجتمع ومؤسساته. توجد إذن صعوبة في القول بضعف الحركة الإسلامية بالمغرب، كما أنه من غير الملائم حصر مكونات الحركة الإسلامية في حزب العدالة والتنمية.

هناك مكونات أخرى تعمل بقوة في السر، من قبيل جماعة العدل والإحسان الإسلامية التي ترفض الاعتراف بالنظام، وتتوفر على قاعدة شعبية جعلت الكثيرين يعتبرونها القوة السياسية الأولى في المغرب. بالإضافة إلى حركات جهادية ما يزال يلفها الغموض، وما تزال تتبنى العنف، وتتهمها الدولة بالتورط في تفجيرات دموية، شهدتها مدينة الدار البيضاء عامي 2003 و 2007.

الأكيد أنه لا يمكن فصل توسع الإسلاميين بالمغرب، عن الحالة العربية عامة. فقد شكلت هزيمة العرب في يونيو من سنة 1967 أمام إسرائيل، صدمة للمشروع القومي. نتج عن ذلك إحباط عام بفعل نهاية أسطورة الوحدة العربية. فقد وجدت الحركات الإسلامية المتطرفة في الفراغ الذي خلفته هزيمة الناصرية وتراجع المد القومي مجالا خصبا، استثمرته لتحقيق التمرد الاجتماعي والسياسي.

بعض المتخصصين لا يوافقون على ذلك. ويعتبرون أن نشأة الحركة الإسلامية بالمغرب تعود، بالدرجة الأولى، إلى مناورة قلب نظام الحكم، وهو المسار الذي شجعته الملكية. شجعت الدولة هذه النشأة في سياق صراعها المرير ضد الحركات اليسارية والماركسية، التي عرفت أوج قوتها في الجامعات والمدارس الكبرى خلال ستينيات القرن الماضي.

لكن الإسلاميين الذين تقووا بدعم من الدولة سرعان ما اكتسبوا استقلاليتهم، فقطعوا كل صلة بها. بل صاروا يهددون النظام الذي قدم لهم العون، ليجدوا أنفسهم في مواجهة معها.

اضطر النظام بعدها إلى احتواء التنظيمات المعارضة. فساعدها على الخروج من السر إلى العلن. هكذا تأسس حزب العدالة والتنمية، عبر وساطة الراحل عبد الكريم الخطيب، إحدى الشخصيات المقربة من القصر. سمحت هذه الوساطة باحتضان حزب الحركة الدستورية، الذي كان في حالة جمود، لجماعة من الإسلاميين يشكلون الآن حزب العدالة والتنمية، بأكثر من 44 ممثلا في البرلمان المغربي.

تختلف تجربة الإسلاميين المغاربة عن نظرائهم بكل من تونس والجزائر. لكن الحكم على هذه التجربة الآن، سابق لأوانه. فما بين الفينة والأخرى تخرج أصوات من داخل الإسلاميين المعتدلين أنفسهم تدافع عن العنف. قيادي سابق في صفوف العدالة والتنمية اعتبر أن "أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب، هي اتخاذ "حزب سياسي"، ويقصد بذلك حزب "العدالة والتنمية" الذي يقوده عبد الإله بنكيران، ويقول بهذا الخصوص: "لقد صار الإسلاميون يشتغلون في الشك، وقد كانوا -من قبل- يشتغلون في اليقين! وكانوا إلى الإخلاص في الأعمال أقرب، ثم صاروا إلى خلط مبين!

* أستاذ فلسفة وصحافي من المغرب

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة مصباح الحرية www.misbahalhurriyya.org

التعليق