إبراهيم غرايبة

صعود البدائل: مرحلة إنسانية جديدة

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

ليست البدائل في الاقتصاد والطب والإعلام والتعليم والعمل والنضال أمرا جديدا في الحياة البشرية، ولكنها تأخذ اليوم مرحلة من الازدهار والنمو، ولم تعد تنشط في الأقبية السرية، بل إنها تصعد لتشكل بديلا حقيقيا، وربما تقترب من النصر والغلبة على المنظومة المؤسسية التقليدية، وإن لم تلغها فإنها تهزها من جذورها، وتعيد تعريفها.

الصحف والمؤسسات الإعلامية ستواجه حقيقة أن المدونات و"الإعلام الشخصي" تقدم مصادر للمعلومات والمعرفة والتواصل ربما تتفوق عليها، والتعليم عبر الإنترنت يغير كثيرا من معنى ودور المدارس والجامعات والأساتذة، والسفارات والدبلوماسية تأخذ أدوارا ومفاهيم جديدة في حالة التعولم الاتصالاتي والمعلوماتية السائدة، فالإنترنت والفضائيات تمكن الاطلاع على الصحف ووسائل الإعلام في أي بلد على النحو الذي يلغي وظائف كثير من الدبلوماسيين.

وفي الأنظمة الإلكترونية المتاحة يمكن تنفيذ كثير من الخدمات والأعمال الحكومية التي تلغي أو تغير من دور القنصليات، وكذا الحال بالنسبة للعلاقات الثقافية والتجارية، بل وكثير من أعمال التجسس فإنها لم تعد تحتاج إلى سفارات وغطاء دبلوماسي، وفي العولمة الجارية تلغى أو تغير أدوار ووظائف الجمارك والبنوك المركزية والرقابة المالية والإعلامية وتنظيم ومراقبة تدفق الأموال وتحويلها، والمهن وأنظمة العمل والمؤسسات بعامة تواجه تحديات وإغراءات وفرص أعمال جديدة بلا أنظمة ولا أمكنة، ومن ثم فإن قوانين العمل والعلاقة بين العاملين وبين أرباب العمل والمؤسسات تواجه أسئلة جديدة عن معناها وجدواها.

الحديث عن بدائل تلوح في الأفق في الإعلام والتعليم والعمل والموارد وكل شيء تقريبا أصبح شيئا من الماضي أو يكاد يكون كذلك، ولكنه واقع جديد يتشكل، ويفرض نفسه، ويعمل في حياتنا القائمة كلها تغييرا وإلغاء على نحو جذري، ففي الإعلام لم تعد الصحف والمؤسسات الإعلامية (ورقية أو فضائية أو إلكترونية) تحتكر الخدمات الإعلامية والتثقيفية والإعلانية، ولكن ثمة مواقع ومدونات شخصية توفر أو تكاد توفر كل ما تقدمه الصحف والإذاعات، ومعظم هذه المواقع إن لم تكن جميعها لا تقوم على مؤسسات ومكاتب وعاملين، ولكنها شبكات من المتطوعين والأفراد الذين يعملون في منازلهم أو في المقاهي.

والتحدي الذي تنشئه البدائل في الإعلام والنشر الورقي، على سبيل المثال، لن يكون فقط في التحول إلى الانترنت ووسائل الإعلام والنشر الإلكترونية بدلا من الورقية، ولكن في فلسفة وأهداف ومحتوى وتنظيم مؤسسات الإعلام والنشر، هل سيبقى ثمة مبرر لمكاتب وعاملين؟ هل ستبقى المقالة الصحافية خدمة يستعد الناشر أن يدفع مقابلها؟ إنك تقرأ في المدونات مقالات وكتابات ومتاحة هي أجمل وأهم من كثير من المقالات المدفوعة الأجر والمنشورة في الصحف، وهي بالطبع أجور يتحملها في النهاية المستهلك سواء كان قارئا أو معلنا، شخصيا فإني لست سعيدا بذلك وينتابني قلق كبير، ولكن كل الصحافيين والأساتذة والأطباء يجب أن يشعروا اليوم بقلق كبير على مستقبلهم وأعمالهم.

كيف ستتشكل موارد الإعلام والنشر؟ نلاحظ اليوم صعود الإعلام المتخصص، وفي الإعلام العربي فقد بدأ الاقتصاد والرياضة يشكلان مجالا أساسيا مطلوبا أكثر من قبل، وربما نشهد أيضا كما يتشكل في الغرب إعلاما للعلوم والبيئة والصحة وسائر المجالات، وفي تسويق الصحف والمحتويات نفسها فإنها بحاجة للتكيف مع المرحلة الإلكترونية لتقلل من الإنفاق وتستجيب لتحولات الناس المصاحبة للتقنية، سيكون الورق شيئا من الماضي مثل المخطوطات، وفي ذلك تخفيض كبير للتكاليف ونزف البيئة وتدميرها، ويصاحب ذلك اختفاء مجموعة كبيرة من الأعمال والمهن والاقتصادات القائمة على الطباعة والورق والإخراج والحبر.

سوف تختزل مجموعة كبيرة من الوظائف والأعمال وتضاف لأعباء الصحافيين، وقد بدأت الصحف بالفعل تلغي وظائف "الصف والطباعة" وتقلل من المصورين والمخرجين والمدققين، وسوف تختفي أو تتغير أعمال المسوقين والمعلنين. فسوق الإعلان وصناعاته والذي تقوم عليه الصحف ووسائل الإعلام يتعرض هو الآخر للتحول، البريد الإلكتروني ورسائل الموبايل أصبحا الأداة الأكثر سهولة والأقل تكلفة للترويج والتواصل بين المورد والمستهلك، بل وفي الحملات الانتخابية والسياسية أيضا.

وإذا انتقلنا بالفكر والنظر إلى مجال التعليم والصحة فإنهما أيضا يتعرضان لثورة تزيد على ثورة الإعلام، الإنترنت والوسائط المعلوماتية توفر للإنسان اليوم قدرا كبيرا من المعرفة والتعليم والتدريب تجعله قادرا على الاستغناء عن المدارس والجامعات والأساتذة والكتب والمناهج الدراسية.

ولنفكر في متوالية هذه الحالة على قطاع واسع من الميزانيات والموارد والأعمال والمهن والمؤسسات الحكومية والخاصة، وفي الطب عندما يكون الإنسان قادرا على تعليم نفسه كثيرا من المهارات والخبرات التي يحتكرها اليوم الأطباء، وعندما تقدم الأجهزة الجديدة والمرتبطة بمراكز طبية هي نفسها آلية أيضا كثيرا من الخدمات والاستشارات الطبية والعلاجية؛

هل سيبقى العمل وسيلة للرزق والموارد؟ أم أن الإنسان سيعمل لنفسه وبنفسه، ويوفر احتياجاته الأساسية؟ باختصار إن الإنسان متجه ليكون قادرا على تعليم نفسه بنفسه وكذلك مداواتها، وأن يحصل بنفسه أيضا على المعلومات والأخبار والتواصل مع العالم كله وعلى قدر من الكفاءة والمساواة التي تمنحها المؤسسات المعقدة والمطورة، وكأنه يحقق حلم فريدرك نيتشه عن "الإنسان الكامل" أو السوبر أو المتفوق.

أليس انتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة يعطي دليلا على ترقي الإنسان إلى مرتبة عظيمة لا تقل عما كان يتمتع به أو يقدر عليه هرقل وأخيل، هل كان ممكنا تصور انتخاب أوباما قبل عقود قليلة أو حتى سنوات من الزمن؟ أليس انتخابه تعبيرا عن مرحلة "المعرفة" وما يتصل بها؟ 

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جدير بالقراءة (د. سهى خطاطبة)

    الأربعاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    من الجميل الالتفات إلى حلم نتشية والذي يؤكد "قوة التسامي" المتمثلة في تعالي الإنسان على غرائزه وارتقائه فوق مسلمات الإيديولوجيات والثقافات التي تعمل على تقييد وتحجيم قدرته على الخلق والإبداع، ونزعته الطبيعية للتطور. فالفرد في نظره يمتلك طاقة غريزية خلاقة بقوة الإرادة، كما يؤمن نيتشه بأن الإنسان مخلوق حر بطبيعته، مسؤول عن قدره، يستطيع أخذ القرارات الملائمة له.
    ولكن وحتى نراوح عند هذا الحلم نحتاج أكثر من التقدم العلمي والتكنولوجي، نحتاج إلى تطور ثقافي حضاري عميق.
  • »لن يفقد الكتاب الورقي قيمته عند العالم المتمدن (د. عبدالله عقروق .فلوريدا)

    الأربعاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    حديثك جميل وممتع حتى وصلت الى الفقرة الأخيرة من مقالك واستشهادك بالرئيس المنتخب اوباما، ولدينا حادثة أهم وأكبر شأنا وهي قذف الرئيس يوش بكندرة عتيقة..الأمر الذي اعجب نصف الشعب الأمريكي 200 مليون نسمة لم ينتخبوه في الدورة الثانية ، ولا يقل عن بليون عربي ومسلم.
    بخصوص الأنترنت فأرجو أن اطمئنك ، وأطمئن القرأ أن مبيع الكتب الورقية في البلاد المتقدمة لا تزال تحافظ على مستواها رغم وجود الأنترنت ..فالقرأة الورقية ستبقى مهما علا شأن الأنترنت..فهنالك متعة أن تقرأ كتابا ورقيا او مجلة عالمية أو صحيفة درجة أولى